آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 6:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

التمساح وأم شباصة

ليالي الفرج * صحيفة الشرق

يخضع الطفل في مراحله المبكرة وهو بين يدي والديه لعملية بناء وعي وتكوّن شخصية، فلا يمكننا فصل عناصر وأساليب تلك العملية في مراحلها الأولى عن المُنتج اللاحق لتلك المرحلة بإرهاصاتها، الذي يتحول بعد فترة من الزمن لعنصر له من الأثر الفعلي في محيطه المجتمعي، فلدينا مدخلات تربوية أنتجت مخرجات سلوكية متباينة، وبكل تأكيد أن لغة الخطاب في التعاطي مع الطفل هي من أهم المؤثرات في بناء فكره وبالتالي ترجمة حزمة من الأفكار والقناعات إلى سلوك لفظي وحركي تعبيري؛ لذلك تشهد ساحتنا الاجتماعية تبايناً جليّاً وبارزاً في تعابير ومفردات أفرادها، وهذا ما جعل المعيار الرئيس في قياس تحضر الأمم ورقيها هو فكر وسلوك أفرادها والمُترجم في صور إنتاجية ثقافية اجتماعية قيميّة، وأي اختلال في ذلك يُرجَع به لاختلال في العملية التربوية في مرحلة التنشئة للفرد، ومن هنا ينبغي التركيز والعناية بغربلة مصادر استقاء فكر الطفل خاصة حزمة القنوات الإعلامية المتكدسة في أجهزة الإرسال والبث المتنوعة؛ فهي سلاح ذو حدين ومع الأسف الشديد قنوات الأطفال لا تخضع لرقابة من اختصاصيين تربويين، وأغلب ما تقدمه هو وجبات سريعة تعتمد على اللفت البصري والسمعي في أطفالنا، وكثير منها يُجمِّد جانب النمو المعرفي هذا فضلاً عن ترسيخ اللغة الركيكة والمفردات غير الأخلاقية في بعض الأحيان.

وبعيداً عن التعميم فهناك من البرامج التي تتميز بما تقدم من مواد تربوية ومعرفية، وهي بمنزلة منبر تربوي تعليمي، لكننا ومع الأسف الشديد بين فوج من الثقافات التي تقدم لأبنائنا دون رقابة إعلامية دقيقة ومتخصصة مما يفقدنا الثقة في تلك المواد، ومع الأسف يضعف لدى بعض الآباء الجانب الرقابي أو الوعي بكيفية التعاطي مع هذه المساحة التي تتصل بالنمو الثقافي للأبناء. قبل مدَّة يسيرة شدني برنامج في إحدى قنوات الأطفال الذي كان يجري لقاءات مع مجموعة من متابعي هذه القناة من الأطفال، والمحبط في الأمر هو لغة هذا المذيع في تعاطيه الخطابي مع الأطفال، فكان يجوب أرجاء المكان ماسكاً «المايك»، وكان لطيفاً بشوشاً ويحاول كسر حاجز الحرج والرهبة لدى الأطفال بطريقة خاطئة وخطيرة في جانبها التربوي، ينادي الفتيات بكلمة «أم شباصة» أما الأطفال من الذكور فيناديهم بكلمة «التمساح»، والأدهى من ذلك هو قوله مازحاً وبلهجته المحلية: «من سيغلب؟ التمساح سيكسر رأس أم شباصة» وما يشابه ذلك من المفردات غير المقبولة أبداً.

إذن لا يقتصر خوفنا من القنوات غير المحلية خاصة الغربية أو من البرامج المدبلجة الغربية الأصل التي قد تمرر لنا ما لا يتوافق مع أخلاقياتنا ومبادئ ديننا الحنيف، فقد تحول حذرنا إلى قنواتنا العربية والمحلية مع الأسف الشديد، التي ترسخ في أبنائنا لغة تمجيد جنس دون جنس، وتمزيق شخصية الفتاة منذ النشأة لتكبر في مجتمع ذكوري يغلب عليه القوة الذكورية والضعف والتبعية من جانب الأنثى.

فما نغذي به أطفالنا من عادات وقيم وأفكار من أي رافد كان هو الصورة التي ستتبلور مستقبلاً في هيكل المجتمع العاكس لتقاسيم وملامح تلك الصورة. بطبيعة الحال المسؤولية يقتسمها الوالدان والقائمون على تلك القنوات وعلى رأسهم الجهة والمظلة الرسمية، التي دورها التدقيق والرقابة على مدى جودة سياسة التقديم في تلك القنوات التي هي تحت مظلتها، هذا فضلاً عن الانتقاء المتمعن والقائم على أسس لمقدمي برامج الأطفال، وتطوير مهاراتهم بإلحاقهم في برامج تدريبية للتطوير والتأهيل المستمر، فالطفل أمانة مجتمع كامل، وبه تُبنى الأوطان أو تُهدم.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله القرعان
[ القطيف ]: 4 / 4 / 2015م - 2:26 م
مقال رائع بس الا فهمته من مقالك انه ماتبغي الأطفال يتربوا ع التمييز بين الأولاد والبنات

وبالنسبة لمقال القنوات والتربية السلوكية للأطفال مافهمت شي لانه اشوف كلامك غامض

وشكرا
كاتبة رأي في صحيفة الشرق السعودية
شاعرة ومهتمة بترجمة بعض النصوص الأدبية العالمية إلى العربية ، ولها عدَّة بحوث في المجال التربوي.