آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

وجع بنكهة الكراميل!

بتول آل شبر

أحيانا.. نسقط ولا نجد عكازة نستند عليها لنعود مرة أخرى، أحيانا.. نتيه ولا نجد مرشدا ومرجع، أحيانا.. نفشل ولا نجد فرصة أبهی وأفضل، أحيانا.. نترح ولا نجد مكبا للحزن والكآبة، أحيانا وأحيانا أخرى نجد الأمور وقد تقلبت رأسا علی عقب، تصير لنا في كل خطوة نظرة أزهی!! هي هكذا الحياة تارة وتارة أخرى، لا تبدو مسيرة علی وتيرة واحدة، متتابعة سريعة تتفنن في تغييرنا أو التأثير في نفوسنا. لكنما في الحقيقة إن لكل مافيها نهاية ولكل طواح ختام، فهل سمعت يوما عن «وجع بنكهة الكراميل!»؟

في الحياة هناك أوجاع لذيذة، أوجاع بحجم قوتها الفتاكة تكاد أن تكون حلوة شهية ومغرية... مثيل ألم تناول المثلجات! إنه لأمر مضحك، بقدر ما تتحسس حنجرتك أو تلتمع لسعة في أسنانك إزاء تناولها، إلا أننا جميعا نتناولها بل ونطلبها من البعيد والقريب، وعلی سياقها كل ما لذ وطاب من الطعام والشراب. أوليست هذه دعابة من معاني الوجع والسعادة سويا؟

ماذا عن الرياضة؟! تتصبب حرارة وتلهث أنفاسك متسارعة، يأتيك شد عضلي يوقف حركتك فجأة، تسخن بشراسة، تنبض دقات قلبك في جسدك المنهك، تجوع تعطش تتأمل فتات غذاء، ولكن بمجرد أن تقف أمام المرآة وتلتقط صورة لنفسك بحلتها الجديدة، يرتسم ثغر الفرح علی محياك، وعلی الميزان تقف بفخر الإرادة. أوليس التغلب على الأتعاب جدارة؟

إليك اختبارات الدراسة أو متابعات العمل، مملة روتينية متلاحقة، متعبة مرهقة لأيام وليالي طويلة، الحفظ بصعوبة والتذكر بأعاجيزه، إدراك الكم الهائل من المعلومات ومفاهيم الأسئلة الغريبة، إحباط الدرجات وتكاليف الطلبات، ضياع الجهد بين البيانات الكثيرة والأبحاث المستديمة، لكنما بعدها يغدو النجاح بصيرة، ترنو الشهادة وسام وفضيلة، يصبو علم السنين التي مضت كشعاع للمستقبل ينير الدرب بالمال والمعرفة وحسن المعيشة. أوليست العقبات المنهجية هي الفرصة الكفيلة بمنحنا الرقي الذي نبتغيه والرفعة التي نرجوها في كل أفلاك العالم؟

البعد وما أقساه، بما فيه من شوق وشجن، بما يحويه من حنين مقلق، يذيب العاطفة بهواجسه، ويصهر الروح بوتيرته الطويلة، ينغص الفؤاد ويقبض الوسن، لكنما تطويه عذوبة اللقاء وقدس العودة، فالمجيء بعد المغيب دائما أقوی، والوصال بعد الشغاف غالبا أعمق وأكثر شدة، فلربما تغفر قساوته محاسن الحب بما فيها من الهناء والمسرات، ترميه بعيدا ثريات الذكريات المخلدة، فتبقى شهقة القرب السعيدة هي منبع الغفران لذلك الاشتياق. أوليست المودة حلي الدنيا وزينتها؟

إليك المرض، حرارة شديدة أو إصابة عصيبة، تبلد وشكوى الوهن، قد تكون لها أدوية مرة الطعم أو جراحة مخيفة المذاق، متابعات طبية تهابها النفس وضعف مريب بلا نذير، مضاهاة مريرة في مواجهة العدو المجهول داخل خلاياك، يهتك في ذاتك بلا مهلة، ثم تنهض نحو خلجاتك العناية الإلهية والرحمة الربانية، فتنفض أتربة الضعف، وتسمو بك ناثرة غبار قد اجتاح البدن، فتغتال أساريرك الراحة مجددا، تحتضنك الصحة والعافية، مودعا الما وراء، مستشعرا الرهبة التي مضت، وفي ذاتك إحساس بديع يمنح الجمال نحو كل من ساعدك وعاونك، قاذفا بكل مقاسي الظروف نحو الريح. أوليست المآسي هي التي تكشف لنا عن الجوهر الحقيقي لمن حولنا وعن الجودة الأصيلة لما يحيط بنا من الأشياء؟

ومثيلاتها الكثير وعلی سياقها آلاف المواقف، بل ملايين المثبطات، لكنها كمرارة القهوة الصباحية، إما أن نتجرعها بمتعة أو أن نستزيد بقطعة سكر، حتی تصير كما نشاء، هشة طرية أو «وجع بنكهة الكراميل!».