آخر تحديث: 21 / 11 / 2019م - 9:56 م  بتوقيت مكة المكرمة

حتى لا تكون ”مفطّح“ سياسياً!

حسين العلق *

يُحكى أن صقرا كان يجلس على فرع شجرة باسقة فى وضع إسترخاء تام لا يفعل شيئا، وعندما شاهده أرنب، قال: أيها الصقر، هل لى أن أجلس مسترخيا مثلك؟ إبتسم الصقر، وقال: بكل تأكيد يمكنك أن تفعل. فما أن استرخى الأرنب أسفل جذع الشجرة، حتى ظهر ثعلب وافترسه في الحال!. والدرس هنا يقول: لكى تجلس مسترخيا دون فعل شيء، فلابد أن تكون في مكانة عالية جدا. ما يهمنا هنا، هو أن الدرس ذاته يصدق بحذافيره على أحوال الدول والشعوب والجماعات والطوائف!، والأخيرة تحديدا هي ما يعنينا في هذه المقالة.

وبلغة سياسية صرفة نقول، أن الواقع الديموغرافي والجيوسياسي المحيط بأي جماعة هو ما يحدد خياراتها السياسية والعملية على الأرض. فليس من المتصور مثلا، أن تخرج الطائفة القبطية بمفردها على الدولة في مصر مطالبة بالإطاحة بالنظام، وكل مجموع هذه الطائفة لا يتعدى السبعة بالمئة من المواطنين!. العكس هو الصحيح فالأقلية القبطية المحاصرة والمضطهدة، ذهبت في الاتجاه المعاكس، وذلك بالتلاحم مع الدولة، وانتزاع ما أمكن من حقوقها الوطنية التي ظلت باستمرار منتقصة سياسيا ودينيا!

في مقابل ذلك، وفي مثال آخر، يمكن أن تخدم مختلف الظروف السياسية، «الاستثنائية»، المحلية والدولية، أقلية أخرى صغيرة نسبيا كالدروز في لبنان، أو اليهود في أمريكا ، فيصبح زعماؤها، بمثابة بيضة القبان في المعادلة السياسية برمتها، فمتى ما اصطف زعماء هذه الطائفة مع طرف رجحت كفته، في الحكومة والبرلمان، في أداء براغماتي منقطع النظير!

وكما يصدق هذا ”القانون“ على جماعة هنا او طائفة هناك، يصدق الأمر نفسه على جماعات منتمية لطائفة واحدة، إلا انها منتشرة جغرافيا في دول عديدة وتخضع لظروف سياسية مختلفة. ولو أخذنا الأكراد مثالا، فسنجد أن أكراد العراق بصدد إنجاز دولتهم المستقلة عن العراق الأم، بعد عقود من النزاع الدموي والخسائر الهائلة، بينما بقي أقصى ما يطالب به اشقاؤهم الأكراد في سوريا المجاورة «قبل عام 2011» أن ينالوا الجنسية السورية!، أما نظراؤهم الأكراد في تركيا - حتى مع رفعهم السلاح - فقد بقي سقف المطالب لديهم متمركزا حول الإعتراف بهويتهم ولغتهم القومية ونيل حقوقهم السياسية.

ذات ”الدرس“ يصدق أيضا على المواطنين الشيعة في دول الخليج. اذ في الوقت الذي تجد الأغلبية الشيعية في البحرين نفسها في خضم أزمة طاحنة مع السلطة سعيا وراء المساواة في الحقوق السياسية، في المقابل يلتحم المواطنون الشيعة في الكويت مع سلطة بلادهم إلى أبعد مدى، أما المواطنون الشيعة في عُمان فهم كانوا ولازالوا جزء لا يتجزأ من تركيبة السلطة، حتى بلغوا حدا بعيدا بحصولهم - أحيانا - على حصة في الوزارة تفوق نسبتهم العددية الضئيلة جدا في السلطنة.

ان الدرس الجوهري هنا، يكمن في ادراك كل جماعة لملابسات الواقع السياسي المحيط بها، فهو المحدد لخياراتها السياسية والعملية على الأرض. وليس دقيقا القول باستنساخ ”عِمْياني“ للتجارب الأخرى - التي قد تكون ناجحة في بيئتها - لأنها قد لا تنجح بالضرورة في مكان آخر بالنظر لملابسات الخريطة السياسية الجديدة واختلاف موازين القوى محليا واقليميا ودوليا، ما قد يدفع لجعل أي جماعة أسيرة لأوضاع معاكسة لمصالحها تماما.

إن غياب التشخيص المناسب للواقع السياسي بالنسبة لأي جماعة عرقية او طائفية، غالبا ما سيجعلها لقمة سائغة لأعدائها، تماما كصاحبنا الأرنب في القصة أعلاه، الذي أراد تقليد الصقر، غير ناظر لفارق المكانة وأخطار المحيط، لينتهي به الحال أخيرا إلى مجرد ”مفطّح“ على مائدة الثعلب!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ماجد
[ القطيف ]: 5 / 4 / 2015م - 9:56 ص
مقال رائع وتشخيص للواقع


لكن للأسف فات الاوان
2
أبو محمد
[ القطيف ]: 5 / 4 / 2015م - 2:29 م
غياب النظام المهني والواقعي يحرم حتى الأكثرية ..!!
المسألة في احترام النظام ولا منة من أحد ..!!
متى كانت الدولة دولة نظام ومؤوسسات ضمن الجميع المساواة والحرية والعدالة ..!!
كاتب سعودي