آخر تحديث: 7 / 4 / 2020م - 10:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خاصرة المملكة اسمها يمن

الدكتور محمد المسعود صحيفة الاقتصادية

هذا قدر الله الغالب الذي لا يرد ولا يُستبدل، اليمن منا ونحن منه، من تلك المنابع البعيدة في الأنساب، من هذه القربة القريبة في الأرحام، من هذا الجوار الخصيب الذي لا ينتهي ولا ينطوي ويتعدد بالخير واليمن والبركة عطاياه. لعلي أروي للقارئ العربي بطوله وعرضه، قصصا تُزيل الغشاوة، وتجلي البصيرة لمن ألقى السمع، وهو شاهد على ضميره، مستيقظ العقل، في غير هوى.

من أجل موقف سياسي بعد توقيع أوسلو، تحركت سفن عملاقة تحمل فوقها آلاف الفلسطينيين من سواحل ليبيا. دون تأشيرة دخول إلى مكان! دون أرض، ولا وطن محتمل يقبلهم ويتسع لهم، وهكذا فعل معمر القدافي فعلته عامدا بمآلهم، خبيرا بمصير تكرار طردهم، من كل شاطئ يقتربون منه، عقوبة التيه المتعمدة هذه وفي عرض البحر، كانت عقوبة جماعية لغرض سياسي، ليس أكثر النساء والأطفال والشيوخ المتهدمة صحتهم لا ناقة لهم ولا جمل في اتفاقية أوسلو إن قبلها بعضهم، أو لعنها آخرون، هي السياسة التي يتبرأ منها الضمير، وتقترف الفجور في الخصومة.

صدام التكريتي، بعد أن أنهى بالصلح حربه مع إيران، أدار وجهه إلى «المصريين» المدنيين العزل، والفقراء الذين كان منهم فضيلة القيام بهمام البنية التحتية للعراق في زمن خرج رجاله لحروب - القائد الأوحد والمهيب الركن - المبتلى بجنون العظمة دون أمل بالشفاء منه. وحين ذاك ومن أجل إخراج المصريين دون تكاليف، بل ومن أجل سلبهم كل أموالهم وما جمعته أيديهم ومدخراتهم الضئيلة والشحيحة، اقترف صدام حسين حين ذاك أكبر مجزرة في حق مصريين خارج وطنهم، التي عرفت بمجزرة شارع الرشيد.

حيث أمر بإنزال أعداد هائلة من الحرس الجمهوري وفدائييه إلى جميع المنافذ والمداخل لشارع الرشيد، وبعضهم بالملابس المدنية، ومع القوات الخاصة. وفي تمام الساعة الثامنة مساء تم إطلاق الرصاص الحي، على المصريين جميعا، ومن لم يمت كانت عمليات المسح على الجثامين كافية في إعادة إطلاق الرصاص عليه لترتفع روحه للرفيق الأعلى مظلوما مسلوبا مقتولا صبرا. هم المصريون الذين أرجع بعضهم - عمرو موسى - في طائرات النعش التي نتذكرها جميعا، وحين غزا الكويت خطف الخليجيين في العراق وجعلهم رهائن، وحين خرج من الكويت اعتقل 600 كويتي كرهائن، ثم دفنهم أحياء ليتخلص منهم بعد طول أيمان مغلظة أنه لم يخطف أحدا.

يطويني قصر المقال عن نماذج مماثلة في العالم ثم أنتقل إلى النفس الطيبة التي نحبها ونألف جوارها وقربها ومأمون شرها. النفس اليمنية العربية الكريمة على ضراوة جوع، البسيطة في بسالة وشجاعة وصبر.

ولترى أمامك المملكة تجدد إقامة اليمنيين على أراضيها، دون النظر إلى طوائفهم، بل تتباعد في هذا الظرف العسير أن تبعد المخالفين منهم خلالها، لا تعاجلهم بسوء ظن، ولا تسرع إليهم - معاذ الله - بسلب، ولا تضيق عليهم سعة كانت نفوسهم قد اعتادت عليها، ولا تحرض عليهم بنبذ بل أكثر من هذا كله، ألجمت من انفلت لسانه عليهم بنبز أو نقيصة وألقمته حجرا.

هذا كله لأن للمملكة خاصرة دافئة عربية اسمها اليمن إن هذا سلوك لم يقدر عليه أحد من الدول العربية حتى الآن ولم يرتفع إليه أحد في سلم أو حرب مع اليمنيين، غير هذا البلد المبارك الطيب نباته، إن أصدق الأقوال ما صدقته الفعال عجل الله لليمن خيره وسلامته وسعده الذي به يُعرف وبه يشتهر.