آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 8:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

فاكر حالك بسويسرا!

حسين العلق *

ثمة مثل شامي يقول ”بِدَّك العِنَب ولَّا تقَاتِل النَّاطُور؟“. ويطلق على من يأتي لأخذ العنب من بستان، فينسى العنب وينشغل بقتال الناطور! وبلمحة عجلى على الكثير من انشغالاتنا ونقاشنا المحلي في الشأن السياسي فسنراها لا تعدو المثل السابق. وبمعنى آخر، هناك هوة سحيقة بين المنطق والخيال، وهناك مسافة كبيرة بين النقاش العملاني الذي يأخذ بحقائق الأمر الواقع كما هي، وبين الحديث المغرق في التطلعات إن لم أقل الخيالات التي لا سند ”واقعيا“ لها.

وبتصوري ان مما يعزز من غياب المنطق في الكثير من انشغالاتنا، هو الكثير من الأوهام، أوجز منها ثلاثة فيما يلي:

الأول: وهم الحق؛ إذ يتوهم الكثير أنه - فردا أو جماعة - قابض على الحق من طرفيه. فلا مجال عنده للنقاش مع أي كان، ولا يجد حاجة للعمل أو الإجتهاد، لا في تحصيل الحق، ولا الوصول مع الآخرين إلى قواسم مشتركة ولا الحلول الوسط. ولعل مردّ ذلك لدى بعض الناس، هو «ربما» استيلاء مفهوم الفرقة الناجية على الأذهان، بكل ما يعكس من حمولة تجاه المغايرين منهجيا سياسيا وفكريا، رسميا وشعبيا. أن خطورة هذا الوهم تتجلى في تصور أفراد الجماعة، أن حقوقهم السياسية ينبغي أن تأتيهم طيعة منقادة على طبق من ذهب، دون عناء أو سعي، اتكاءا على ”وهم الحق“ المعشش في الأذهان. وغير خفي بأن ذلك مناقض لأبسط نواميس الدنيا والحياة السياسية، القائمة على مد الجسور لا إقامة الجدران!.

الثاني: وهم التطلعات مقابل حقائق الأمر الواقع. ويحضرني هنا ما ينسب لآينشتاين بأن ”المنطق سيأخذك من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، أما الخيال فسيذهب بك إلى أى مكان“. لا أشك لحظة بأن محرك الكثير من انشغالاتنا ذات الطابع السياسي، هو النوايا الطيبة والتطلعات النبيلة في واقع سياسي قائم على العدالة والمساواة ورفض الظلم وكل ما يخدم البلاد والعباد، وهذا كله جميل. غير أن ما يعيب ذلك هو التحليق بعيدا في التطلعات، في مقابل الإنفصال التام عن الحقائق عل الأرض. في هذا الوضع سنكون تماما مثل صاحبنا حسني البرزان الذي يطالب مدير المخفر أبو كلبشة بمذكرة تفتيش عندما حضر لتفتيش منزله، فيرد عليه أبو كلبشة بسخرية ”انت فاكر حالك بسويسرا“!. وبمعنى آخر، لكل أحد أن يعرب عن التطلعات وأن يسعى لتحقيقها كيفما يشاء، لكن المطلوب في الوقت نفسه أن ندرك جيدا بأننا بإزاء معضلات على الأرض بحاجة إلى معالجة آنية ضمن مسارات عديدة، فلسنا في سويسرا!.

الثالث: وهم الثبات على المواقف وهذا أخطر الأوهام. ذلك أن كل مشتغل في الشأن السياسي يدرك جيدا بأن السياسة هي فن الممكن، وهي عمل متحرك له مقتضياته المتغيرة، ولذلك تتطلب قدرا كبيرا من المرونة، وتدوير الزوايا، وتقديم مقاربات عديدة للقضية الواحدة، أما الخوض في السياسة على طريقة تسلق الشجرة دون معرفة سبل النزول، فهو من قبيل ”دخولُ المرءِ في الشبكاتِ سهلٌ *** ولكنّ التفكرَ في الخروجِ“. نحن هنا لسنا بإزاء فرائض دينية ثابتة لا تقبل الزيادة والنقصان كالصوم والصلاة والحج، بل حديثنا عن الشأن السياسي الصرف، الذي يتعاطى فيه الناس في عرض الدينا وطولها بالأخذ والعطاء، والولوج ضمن مسارات عديدة، إلى حين الوصول الى نقطة ما. وبالمعنى السياسي تكمن الخشية في سرعة تحول الثبات المزعوم إلى جمود وتحجر، فالجدران وحدها التي لا تتغير!

الخلاصة، اذا أردتم ”العنب“ فلا تنشغلوا بالناطور، وتذكروا ما قاله المرحوم آينشتاين الله ينور عليه بأن المنطق سيأخذنا من النقطة «أ» إلى النقطة «ب»، أما الخيال ف ”راح يجيب فينا العيد“!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
زينب المرحوم
[ جزيرة تاروت ]: 15 / 4 / 2015م - 7:33 م
يكفي هذا المقطع
من المقالة كلها لنعرف سبب تخلف المجتمع وتفكيره
وهم الحق؛ إذ يتوهم الكثير أنه - فردا أو جماعة - قابض على الحق من طرفيه. فلا مجال عنده للنقاش مع أي كان، ولا يجد حاجة للعمل أو الإجتهاد، لا في تحصيل الحق، ولا الوصول مع الآخرين إلى قواسم مشتركة ولا الحلول الوسط. ولعل مردّ ذلك لدى بعض الناس، هو «ربما» استيلاء مفهوم الفرقة الناجية على الأذهان، بكل ما يعكس من حمولة تجاه المغايرين منهجيا سياسيا وفكريا، رسميا وشعبيا.
2
أبو محمد
[ القطيف ]: 16 / 4 / 2015م - 8:21 م
النشاط السياسي يحتاج الى مجال وبيئة سياسية فمن هو السياسي المتهن السياسة في مجتمعنا ونحن نعلم لا للحياة السياسية أو المؤسسة السياسية التي يعمل بها السياسيون موجودة أصلا فكلام عن أناس هواة يتكلمون في شؤون سياسية كمراقبين أو عندهم حب الاستطلاع على ما للسياسيين خارج بيتهم الخالية من البيئة السياسية أصلا .. فالمقال لو كان في الجزائر مثلا لكان هنا الأخذ والرد .. فلنخلق لنا بيئة سياسية وساسة وعمل سياسي ثم تقام المناقشات والنقد والرد والأخذ ..فلنكن واقعيين نعيش واقعنا لا واقع الآخرين ..!!
3
كرار المحسن
[ القطيف ]: 17 / 4 / 2015م - 4:14 م
ننتظر نتائج هذه المقالات في الوعي السياسي
كاتب سعودي