آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:40 م

من القديح والدمام.. أكتب لكم

هتون أجواد الفاسي صحيفة الرياض

فيما كنتُ أستكمل هذه السطور وأنا في طريقي إلى الدمام اليوم الجمعة 29/5/2015 قررت تأجيل الصياغة النهائية إلى ما بعد عيادة جرحى القديح لنستفيد من الوقت الضيق الذي لدي مع ”مبادرة لتعارفوا“ التي خصصناها لتقديم العزاء وعيادة جرحى القديح.

ولكن وبعد أن طرأ طارئ ونحن في طريقنا إلى المستشفى قررت تأجيل ذلك الجزء والدخول مباشرة إلى الموضوع الطارئ. ففيما نحن في الطريق إذ بنا نشاهد أعمدة سوداء تتصاعد من أمامنا لم نتنبه أنها شيء غير حريق كبير حتى وصلَنا خبرٌ يفيد بأن هناك تفجيراً لسيارة عند مسجد العنود أثناء خطبة الجمعة، أي أسبوع بالتمام من يوم الاعتداء المجرم الجبان على مسجد القديح.

لكن الصورة لم تكن مكتملة؛ التفاصيل، أي إصابات، أي وفيات، كيف ومن؟ وأماني بالسلامة، وموجة محمومة اجتاحت الجميع لاسيما مستضيفينا القطيفية والحساوي الكريمين لوفدنا الصغير يقلبان جواليهما وقد كاد الشاب أن يفقد سيطرته على أعصابه وهو يقود، حيث إن غالبية أهله يقطنون حي العنود، هذا الحي الحساوي في الدمام، والتفجير قد أصاب مسجده الشيعي الوحيد في المدينة، ونحن لا نملك طمأنة، نقلب بدورنا صفحات تويتر وهاشتاق تفجير مسجد العنود الذي تجمعت عنده الصور والفيديوهات والأخبار لتتضح الصورة شيئاً فشيئاً لكن تختلف الروايات.

بعد أن تعذر وصولنا إلى المسجد حيث الزحام ورائحة الجو اللاذعة، اتجهنا إلى المستشفى.

ونظراً لانشغال جميع المسؤولين بالحالة الطارئة فلم نتوفر على من يسمح لنا بالدخول وعيادة المرضى قبل وقت الزيارة الرسمية، فوجدنا أنفسنا أمام باب الطوارئ لنشهد ونعايش ساعتين من حالة المعاناة التي مر بها عدد من الأسر وهم يتوافدون على المستشفى وقد سمعوا ببعض الأسماء وهم غير متأكدين.

وكانت حالة صعبة من المحاولات اليائسة من قبل الأهالي الذين يريدون الاطمئنان على أبنائهم وعليهم الانتظار، وخلال تلك الفترة كانت صدفة وجودنا هناك مثيرة كما هي مؤلمة لنشهد مشاعر الألم والغضب، الشباب المنفعل يندفع للدخول بقوة، والرجال الحكماء يمسكون بهم ويبعدون بهم عن الباب ويهدئون من روعهم فيما هم ينتظرون، كنا نتفكر كثيراً في جلادة وصبر هؤلاء الرجال ليتبين لنا فيما بعد أن من كان يهدئ في روع الناس كانوا أعمام الشهيد عبدالجليل الأبرش الذي قدم نفسه فداء لمئات المصلين الذين كان يعج بهم المسجد كما ظهرت صورهم في فيديو سجله أحد المصلين أثناء الخطبة وسجل أيضاً الانفجار الذي وقع وصور الأشلاء التي تناثرت على أرض مدخل المسجد، ممن كانوا سيقضون بشكل ما فيما لو لم يتفجر الرجلان سوياً، معيناً جهد رجال الأمن المتواجدين في الخارج.

تحدث بعد قليل رجل لديه علم وسلطة عن وجود مصابين وشهيدين، أبناء خؤولة، أحدهما ابن الشاعرة القطيفية كوثر الأبرش، عظم الله أجرها فيهما. لكن الصورة العامة كانت غامضة وكانت تحتاج لمزيد من الشفافية عما يجري في غرفة الطوارئ. وما لبثت بعض النسوة أن أقبلن ولم يسمح لهن بالدخول، وبعد فترة عرفنا أن إحداهن كانت أم الطبيب الشهيد، وكانت شهقة مؤلمة جعلت الدمع ينهمر من المآقي وكل شهيد هو شهيد للوطن، تحكي أنه عريس وحفل عقد قرانه كان الأسبوع القادم.

الحديث مع ذوي الطبيب الشهيد كان مدهشاً في عكس رجاحة العقل والحكمة من هؤلاء الرجال وهم يحتسبون ابنهم عند الله حيث لا تضيع الأمانات. لم تكن عيادة مصابي القديح هينة بعد ذلك وقد بلغهم ما جرى اليوم في الدمام وهم وإن نجوا فإن كلاً منهم قد فقد أقارب له وأصحاباً، أحدهم من آل الغزوي الذي فقد خمسة من أسرته. تمنينا لهم الشفاء وعزيناهم في ضحايا القديح والعنود ومضينا لتلبية دعوة في سيهات مع عدد من سيدات الدمام ومنها إلى القديح لتقديم العزاء.

ذلك العزاء كان عملاً مدنياً غاية في الإبهار في تنظيمه ودرجة الالتزام المجتمعية العالية فيه. كل فرد، كبيرا وصغيرا، له دور ويعرفه، وكل كبيرة وصغيرة قد اعتنوا بها لتنظيم الدخول والخروج والسلامة والاستقبال والضيافة والخطبة وطريق الطوارئ وطريق العزاء الذي يدور في جميع أرجاء السرادق أو الخيمة الضخمة التي وزعت على أطرافها أماكن جلوس أهل كل شهيد من الشهداء مع ترك مسافة أمامهم كمسار للسلام عليهن.

كانت مسيرة صعبة وإن كانت مضيفاتنا قد أخذن بيدنا لتسهيل مهمة الدخول والوصول إلى هدفنا وتقديم العزاء باسم أهل مكة وجدة والرياض والدمام ممن كن معنا من باب تثبيت التضامن والتآزر على الرغم من ضآلة هذا الدور، لكنه أضعف الإيمان.

ولعل أصعب المواقف إيلاماً كانت تعزية ناجية خيمة القديح الأولى التي تيتمت هناك وترملت في القديح الثانية، وأنا لا أتمالك نفسي أمام عينيها الزائغتين ألماً لا يُحتمل، اتهاماً وتساؤلاً، لماذا؟ أما أم الطفل أبو الخمسة أعوام الذي تتصدر صورته صور مجموع الشهداء، فلم تحضر العزاء ووصلتها صديقتي في مبادرة ”لتعارفوا“ هناء حميدان اليوم السابق عندما ذهبت لعزائها في بيتها المواجه للمسجد، حيث تقول إنها أُلجمت أمام هذه الأم الثكلى. عرفنا أن الطفل حيدر، قد اتجه بمفرده لأداء الصلاة باعتباره صار ”كبيراً“ إذ نجح من الروضة. يا ل ألم الأمهات وما على قلوبهن احتماله!

خرجنا نتساءل عما علينا القيام به بعد، وما هو أقوى الإيمان؟ وماذا بعد العيادة والعزاء؟ هل ستتوقف هجمات الجبناء الغدارة؟ هل سيتوقف سيل الاتهامات بالخيانة والعمالة؟ هل سيُترك كل امرئ وامرأة ليؤمنوا بما شاؤوا دون إكراه؟ هل سيُفعّل قانون تجريم الكراهية الذي تذكر د. ثريا العريض أنه سيناقش في الشورى بعد رمضان، ويؤتي ثمره؟ هل سيكون رادعا ًفعلاً ويطال الجميع دون مجاملة؟

وأنا أنهي هذا المقال المبدئي أقول فقط: إن الحل الأمني لم ولن ينجح لوحده في إيجاد حل لمشكلة التطرف والكراهية الطائفية، وإن المتضرر الأول والأخير هو الوطن، القارب الواحد، بشعبه وبكل مكتسباته.

وعظّم الله أجر الوطن وتقبل شهداءه تحت جناح رحمته.