آخر تحديث: 6 / 4 / 2020م - 2:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

نحو مواصفات قياسية للحوار المذهبي

لوسألت أي شيعي في السعودية عن علاقاته مع السنة، ستجد الإجابة ذات شقين في الغالب، الشق الأول: إن لديه علاقات قوية وأخوية مع الأخوة السنة، وقد يصر في حديثه على لفظ "الأخوة" والشق الثاني: إنه في علاقاته هذه تجري حوارات ونقاشات عقائدية وفكرية مختلفة، تنتهي أو لا تنتهي تتوقف أو لا تتوقف، لكنها تتصف بشيء من الفهم أو التفهم من قبل الطرفين، وفي الغالب تنتهي تلك النقاشات أو الحوارات بـ"لا غالب ولا مغلوب"، لأن الغرض من الحوار ليست الهزيمة، بقدر ما هو محاولة إفهام الطرف الأخر وجهة النظر.. ولم يحدث - على حد علمي - أن أحدًا من هذه النقاشات قد غيّر مذهبه، وتحول إلى المذهب الآخر، كما ينقل بعضهم، مثل ذلك المدرس السلفي الذي قضى عدة أعوام في القطيف ونقل تجربته في محاضرة، زعم لنفسه أنه قام بــ "هداية" بعض الشيعة وصاروا من أتباع المذهب السني في السعودية.

ويبدو لي أيضًا لو تم توجيه السؤال إلى سني لقال الكلام نفسه، بدون زيادة ولا نقصان، وأظن أن كل طرف سوف يزعم لنفسه القدرة بأنه قدم إجابات صحيحة تعكس تمكنه من فهم مذهبه، وقدرته في الرد على إشكالات الطرف الآخر، بل وتوجيه الملاحظات الدقيقة على الطرف الآخر.

على ضوء ذلك يمكن أن نستخلص عدة نتائج:

أولاً: ان ما بين الشيعة والسنة في السعودية حالة حوارية، لو أردنا وصفها سوف نضعها في دائرة محاولة الفهم، فالسني يريد أن يفهم الطرف الشيعي، وهذا الأخير يرغب في أن يفهم الطرف المقابل.. بالتالي فإن المجتمع يسير في طريق ايجابي، والأمور سوف تكون إلى الأفضل إذا ما استمرت حالة الفهم المتبادل بالصورة الايجابية التي ابتدأت بها.

ثانيًا: ان الطرفين - بشعور او بدون شعور ـ باتا في وضع المعترف بحق كل طرف، وكل طائفة في اعتناق الفكر التي تريده وتؤمن به بالتالي فإن خطوة ايجابية كنا نتطلع لها من أجل حلحلة المشكل الطائفي، الذي لا يعني بالطبع إلغاء الانتماءات والقناعات الخاصة، بقدر ما هو تحقيق الحد الأقصى من التفاهم والتعايش ونبذ العداوة والبغضاء.

ثالثًا: إن هناك فئة في الطائفتين تؤمن بالحوار، وترى ضرورته لحل أي إشكال يرد من كل طائفة على الأخرى.. وهذه الفئة التي يمكن أن نصفها بالاعتدال تتبنى جملة من الموضوعات ترى ضرورة الحوار حولها ومناقشتها والتوصل إلى توصيات معينة حيالها.

لكن، هل يمكن القول إن الإشكالية الطائفية انتهت، أو حتى في طريقها إلى الانتهاء بسبب هذا التطور، والنتائج المترتبة عليه؟

وعلى ضوء تلك النتائج هل نتوقع نهاية وشيكة لواقع التأزم الطائفي القائم في المجتمع السعودي؟

وبناء على ذلك، هل على الشيعة أن يتفاءلوا خيرًا لوجود هذه النتائج الايجابية، فالشيعة كانوا يتطلعون إلى حل جذري للمعضلة التي هم فيها، والناجمة عن الظرف الذي احدثه ويحدثه التمييز الطائفي القائم على أكثر من صعيد، ويرون ضرورة الحوار لتحقيق فهم أفضل لواقعهم بدلاً من النيل منهم دونما سبب مقنع، فهل على ضوء النتائج الثلاث يمكن القول بأن القضية الشيعية أو مشكلة الشيعة مع الوضع الطائفي في طريقها إلى الحل؟

للإجابة على كل تلك الأسئلة نقول - بكل أسف -: "لا"، فالإشكالية الطائفية لاتزال قائمة، ولا يزال العنصر الشيعي يشكو من وضع غير عادل يعاني منه. وذلك عائد لعدة أسباب:

1 - إن كل تلك الحوارات لم تتم من قبل الأطراف النافذة، أو القادرة على اتخاذ قرار وتنفيذه، فهو حوار بين أبناء المجتمع السعودي ككل، والإشكال الطائفي لم يأت من عموم أهل السنة ضد الشيعة، وإنما جاء من الجهات العليا أو المتنفذة أو صاحبة النفوذ، هي التي تمارس الفعل أو الفعل الطائفي. وبحكم أن أصحاب هذه الفئة هم من السنة، لذلك فالتميز يصدر منهم، ولا نستبعد لو كان الشيعة في مثل موقعهم في ظل الواقع المتخلف أن يصدر منهم الفعل نفسه، بالتالي فما يفترض ان يكون عليه الشيعة هو معرفة أن الفرز المذهبي القائم، لم يأت من الفئات الدنيا في المجتمع، بقدر ما هو ثقافة ونظام تمت صياغته وتنفيذه من قبل جهات أعلى، هذه الجهات تتمثل بالدرجة الأولى في المذهب الرسمي، والمؤسسة الدينية، ومن ثم الجهات الحكومية وشبه الحكومية المتأثرة بها، ذلك لأن أي مواطن شيعي لديه من العلاقات الواسعة والكثيرة مع المواطنين الآخرين ممن هم على غير مذهبه، ولم يحدث منهم أي فعل فئوي أو عنصري، ولكن لمجرد أن يتحول الواحد منهم إلى مسؤول في دائرة حكومية أو شبه حكومية أو شركة كبيرة، فإنه ينفذ ما يملى عليه، وما تأتيه من تعليمات، وفي الغالب أن القرارات والتعليمات حينما تصدر من الجهات العليا فإن الجهات الأقل مستوى تكون أكثر تشددًا في التطبيق وبصورة يطالها شيء من الإضافة على صريح القرار.

2 - إن ما نشهده من محاولة فهم أو تفهم من قبل السنة بحق الشيعة، أو الشيعة بحق السنة يصطدم بالفئات المتشددة والمتعصبة، التي لا تريد أن تفهم، ولا تتطلع لأن تفهم دينها ونفسها فضلاً عن فهم الآخر وتقبله، لذلك فهي عقبة أمام أي شكل من أشكال الحوار، وإذا أمنت بنوع من الحوار فهي لا تقبل نتائجه، فضلاً عن الإلتزام بمبادئ وأسس الحوار. من هنا فكل ما نراه من وضع طارئ في المجتمع وأبرز سماته غياب العدالة، أو شعور طائفة الشيعة بعدم العدالة، منشؤه ثقافة التعصب، والتي هي خلاف قيم التسامح.

3 - إن كل تلك الحوارات يغلب عليها "التلقائية"، أي انها جاءت بدون تفكير وبدون تهيئة فكرية واستعداد ذهني للحوار، وإنما هو مواجهات تتم صدفة في الديوانيات أو في أماكن اللقاء التي تتم بين الشيعة والسنة، بالتالي فلا نتوقع أية نتائج تذكر من كل تلك الحوارات غير تحقيق حالة التواصل القائمة بين أبناء المجتمع، وربما التوصل إلى حلحلة بعض القناعات "غير العقائدية" لدى كل طرف. ولكن تبقى مساحة التأثير محدودة في الأشخاص المتحاورين، أو الذين دخلوا غمار هذا الحوار، أما من لم يدخل «أو يُدخل» معمعة الحوار فإن تلك الحالة من التواصل مع الطرف الآخر تكاد تكون معدومة لديه.

من هنا بات من المهم جدًا أن يكون الحوار بين الشيعة والسنة ذات مواصفات قياسية عالية، نضمن من خلالها تحقيق أفضل النتائج المرجوة، ذاك لأن الخلاف المذهبي بات عقدة متراكمة منذ أكثر من ألف عام، فيصعب تجاوزها في أيام أو شهور أو حتى سنوات قليلة.

أبرز هذه المواصفات هو أن تتجاوز الإطار العقائدي، وما يتعلق بإشكالات كل طرف على الآخر، وأن يتم التركيز على القضايا المتوافق عليها، وإذا كان لابد من الحوار حول القضايا المختلف حولها فإن ذلك يتم من خلال المتخصصين من الطائفتين لا أن تنزل الفكرة إلى العوام فتتحول إلى قضايا مبتذلة لاتجني منها سوى المزيد من الفتن والقلاقل.

أما ما ينبغي إحالته إلى عوام الناس فهي قضايا الوطن وسبل تنميته، والمواطنة وسبل دعمها، الوحدة الوطنية وطرائق تعميقها، وما إلى ذلك من موضوعات كثيرة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
دمامي
[ الدمام ]: 5 / 6 / 2012م - 11:19 م
الكاتب سلمان محمد العيد يعيش في حالة طائفية مستعصية جدا حيث وجدت في إحدى مقالاته عدد مرات كتابته لكلمة شيعة فاقت 100 مره كيف يريد هذا أن يتعايش مع الطرف الآخر وهو بهذه النفسية المتشبعة بالمفاهيم الطائفية