آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 8:38 م  بتوقيت مكة المكرمة

مشروع الفتنة والتمييز والتمزيق إلى أين؟

باقر علي الشماسي *

إن الرمال الزاحفة هي الممارسة اليوم من بعض المتطرفين المهووسين والمصابين بمرض «فرق تسد» وهو مرض آت من الغرب الاستعماري أو قد يسميها البعض بالنظرية الاستعمارية، أو سمها ما شئت، المهم أن هذه الرمال الزاحفة محورها ومرماها تصحير وتدمير المجتمعات العربية وفي الخليجية خصوصا ً.

إذ كانت هذه المجتمعات، خضراء معشوشبة بخصوبة التحاب والمودة والتزاوج والتكاتف على عمل الخير بين الأخوة السنة والشيعة. كانت هذه المنظومة من الأدبيات الأخلاقية العالية التي تنادى بها الإسلام ضمن تعاليمه في رسالته السماوية المثلى، كانت سائدة في مجتمعاتنا حتى بداية التسعينات من القرن الماضي، وبعدئذ تحركت هذه الرمال لتزحف على كل مساحة خضراء وعلى كل بساط أخضر في العالمين العربي والإسلامي، كانت تتكاتف فيه المجتمعات وتتعايش وتتزاوج بين مختلف الأديان والمذاهب، وبعد ذلك التاريخ أخذت تلك الرياح الملوثة والهابطة علينا من سماوات الغرب تحرك هذه الرمال فتخطف من مجتمعاتنا المسالمة والمتعايشة والمتكاتفة أثمن أدبياتها الاجتماعية العالية والقيم الأخلاقية، حيث دب الخلاف والاختلاف الحاد بينها حتى وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم من نكسة أخلاقية وسجال طائفي وقومي وبغطاء ديني للأسف! وفقاً لقراءات وتفسيرات دينية مختلفة، فأطربت بعض القراءات «غربان الفتنة» فصارت تصب الزيت على نار الخلافات والاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، وتعالت أصواتها من فوق بعض المنابر، وبأنفاس مركبة ومستعارة من أنفاس الغرب ومن أنفاس «الكاوبوي» العم سام، ولكون أن الحكومات لم تحرك آنذاك ساكنا لإيقاف تلك الأصوات بجدية وصرامة لذا وصلنا إلى مستوى من الاستخفاف والتحدي السافر ضد أخلاقيات والتعاليم الإسلامية النبيلة، مما أدى إلى تفاقم المشكلات، ليتحدث بعض المتحدثين دون مساءلة وأن يفتى البعض أو يصرح به البعض ضد الآخر بأدبيات استفزازية تتنافى والأخلاق، وربما كان الثمن مدفوعاً مقدماً: أمثال الجاهل المركب المدعو «...» النكرة الذي قال عن الطائفة الشيعية كلاما سفيها لا يستحق الرد ولكنه يستحق العقاب الصارم لكي لا يتجرأ أحد من السفهاء أمثاله على الآخرين حاضرا ومستقبلا، أي كان انتماءه ولأي طيف أو لأي تيار كان، وسواء كان يلبس شماغا أو عقالا أو عمامة، طالما توجهه استفزاز الآخرين وللفرقة والفتنة وتضليل العقول الهشة للمزيد من العصبيات الطائفية والقبلية والإقليمية، وكم نتمنى أن ينتزع اللثام من كل أرجوز أمريكيا، أمثال هؤلأ «التابو - طابور الفتنة» وحتى أولئك الذين ينفخون بأنفاسهم السامة من وراء مكرفونات في بعض القنوات الفضائية الأجنبية من خارج القارة حتى وإن كان على رأسه «ريشة» أقصد سواء كانت عمامة أو عقالا... إن اؤلئك العرابين والعرافين الذين نصَّبوا أنفسهم كهنة وكرادلة وبابويين بتشجيع من بعض الأجانب لكي يضخوا ثقافة الفرقة والكراهية بين المجتمعات الإسلامية المتحابة والمتعايشة.

وهذه مسؤولية بالدرجة الأولى تقع على ذوي الأقلام الحرة النظيفة بمختلف الطيف الأكاديمي والعلماء وخطباء المنابر والكتاب والمثقفين وكل من أدخل نفسه تطوعا في «غابة المتاعب» وهي دائرة البحث عن التغيير والإصلاح الحقيقي الملموس، أتمنى منهم أن يلازم حراكهم الوطني نحو التغيير، التصدي لكل من يغش الأمة ويزعم بأنه من الغيارى على الدين وحمايته ودعاة الصحوة الإسلامية! بينما هو يكيل التهم جزافا وبمزاج سادي فتنوي هدام لكل المجتمعات العربية وتصنيفهم إلى رافضة وزنادقة وعلمانيين وقوميين وليبراليين وصفويين و... الخ وذلك من خلال خطبهم وفتاويهم وتصريحاتهم،، والخلل ليس في الاختلاف وإنما الخلل في ضخ ثقافة العصبيات.

ومن غير المستبعد أن يكون حراك العديد من هؤلاء الهدامين أنهم ينتمون إلى المشروع الغربي الإسرائيلي لتمزيق الأمة اجتماعيا وجغرافيا... فإن لم تكن ثمة تصد جاد لأدبياتهم ولمعاولهم، فان السفينة العربية قد تتعرض لأخطار أكثر مما تعانيه اليوم «وربما حتى الربيع العربي» قد يختطف بالكامل، وهذا ما يراهن عليه الغرب وآفاق بداية الاختطاف قد بدأت شرنقته وملامحه.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف