آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 1:17 م

لماذا كلمات العلماء صعبة وجافة خلافاً للقرآن والروايات؟

السيد أمين السعيدي *

السائل

في دورة عن أصول العقائد.. لاحظ أحد الأعزاء الملاحظة التالية:

نلاحظ أن البيانات القرآنية والروائية أكثر وضوحا ودفئا من اللغة العلمية الصناعية «كلامية وفلسفية»..

فشتان - مثلا - بين قولهم: وحدة العمل والجزاء، وقوله تعالى ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا..

وشتان بين المصطلح ' السنخية '، وقوله تعالى ﴿قل كلٌ يعمل على شاكلته، [إذا كان صحيحا أن الآية الشريفة تشير إلى قاعدة السنخية]..

ثم سأل: لماذا لم يعمل الأعلام رضوان الله عليهم على الاستفادة من تلك البيانات الواضحة الدافئة؟..

رد سماحة السيد أمين السعيدي حفظه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مساء الخير، أثابكم الله

القضية المذكورة هي نتاج عدة أسباب، وهي تشمل علم الفلسفة الإلهية وعلم الكلام وغيرهما من الأمور الدينية؛ كالفقه وغيره، بل والأمور الغير دينية أيضاً؛ كقسم الطبيعيات من الفلسفة مثل علم الرياضيات وعلم الليمياء وعلم الفلك وغيرهم.

وهنا يمكن أن نسند ذلك لمجموعة علل من أهمها ما يلي

1 - بلحاظ عام لجميع المسلمين على مستوى العلوم العامة المشترَكة اليوم بين أبناء البشرية، والتي تخاطب الجميع بآلة العقل التي هي مَلَكة بشرية عامة، فبلحاظ عام لجميع المسلمين على مستوى العلوم العامة؛ كعلم المنطق والفلسفة الإلهية والرياضيات وعلم العناصر والهندسة...، نجد أن السبب الجوهري في استعمال المصطلحات هو التماشي مع ما جاء من خارج النطاق الإسلامي مما استمده المسلمون من علماء اليونان وعلوم الحضارة اليونانية؛ فالمسلمون لما شقّوا الطريق للانفتاح على الحضارات الخارجية، فترجموا ما لدى أُلئك من تراث علمي عريق؛ كان ذلك بطبيعة الحال يتطلب التماشي مع المصطلحات الكامنة في تلك الكتب المترجمة بما تحمله من ألفاظ اصطلاحية متسالَمة لدى أهل المنطق والفلسفة مثلاً، فعلماء اليونان اعتادوا السير على تلك المصطلَحات سنين طويلة بعد شوط علمي ثري بالممارسة العلمية وكبير حتى تجذرت - تلك المصطلحات - وأصبحت من واضحات علم المنطق والفلسفة في مدارس وصروح العلم اليونانية.

ولأن المسلمين كانوا أصحاب مبادرة الانفتاح على علوم اليونان، ولأنهم كانوا أصحاب حكمة ونظرة عميقة في هذه الجنبة؛ لذا ارتأوا أن لا يبدلون المصطلح، وأن يدعوه كما هو عليه؛ كي لا يتشعب العلم، وكي تكون لغته واحدة، متعارَفة، وكي لا تُهدر الأوقات عند البحث في العلم الواحد المشترَك وتفكيك عباراته حال العودة للأصول والمَراجع والتراث الهائل أو التدريس الأممي..؛ تسهيلاً على الباحثين والمتخصصين، والتمكن من تنقيح وتلقيح فوائد العلماء بصورة أكثر مرونة وأكبر منفعة..؛ فكانت هذه خطوة حكيمة وإيجابية نوعياً من هذه الجهة، وإن كانت لها مضار سوف نقف على بعضها إن شاء الله بعد قليل.

نعم؛ عند الترجمة غَيَّرَ المسلمون بعض الألفاظ الاصطلاحية؛ لأغراض عدة؛ منها الخضوع أمام مزايا اللغة العربية؛ ذلك لأن اللغة العربية لغة اللِّين والسلاسة؛ إذ تمتاز ببلاغتها وفصاحتها ولِين ألفاظها في النطق؛ لذا كان لابد من تغيير تركيبة بعض الألفاظ لتسييرها للغة العربية وإثراء اللغة بها بنحو فني ممتزج ببريق ولمعان لغة الضاد ورقيّها.

وهنا يمكن أن نضرب لذلك مثالاً تقريبياً مبسطاً وواقعياً؛ وهو من قبيل لفظة سوفيست، التي هي لفظة ليست بعربية، ففي الترجمة انتقلت لأكثر من مرحلة تهذيبية تليينية، إلى أن صارت «فيلسوف»..

2 - بلحاظ خاص في الداخل الإسلامي، ولكن بالنظر للمسلمين والعلوم الإسلامية الداخلية؛ كالفقه والكلام وغيرهما؛ فإنَّ علماء إخواننا أهل السنة لما انتهجوا في طريقتهم عدم القول بأصل الإمامة الإلهية بعد النبوة، ونفوا عصمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، بخلاف الشيعة؛ لذا اضطروا بعد رحيل النبي الأعظم ﷺ لسد الفراغ والفجوة الكبيرة تجاه التساؤلات الجديدة المطروحة في ساحتهم التي أَخذَتْ تواجههم وتشتد يوماً بعد يوم؛ فانطلق علماء إخواننا السنة لوضع الأجوبة من خلال البحث والنظر والقياس وما شاكل. وهذا بهلاف أتباع مدرسة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، الذين ساروا في طريقتهم على الاعتقاد بأصل الإمامة الإلهية بعد النبوة، فكان لديهم اثنا عشر إماماً يستسقون منهم العلوم النَّيّرة؛ لذا لم يكونوا بحاجة ماسة لطرح النظر وسد الفراغ الذي شعر به إخواننا أهل السنة مبكراً في دائرة مذاهبهم.

وهكذا كلما كنتَ أقل اعتقاداً بعدد الأئمة؛ كلما كانت مواجهتك لملئ دائرة الفراغ ومواجهة الأسئلة المتجددة أسرع؛ فمثلاً الواقفية الذين وقفوا على إمامة الإمام موسى الكاظم عليه الصلاة والسلام كانت مواجهتهم لدائرة الفراغ أبكر من مواجهة الشيعة الاثني عشرية لدائرة الفراغ في مذهبهم الاثني عشري؛ ذلك لأن الواقفية بعد الإمام موسى عليه الصلاة والسلام توقف منبعهم الإلهي وبدأت لديهم مرحلة غياب الإمام الإلهي المعصوم؛ فكان ذلك بداية الانطلاق نحو الاجتهاد، وبداية انفتاح باب البحث العلمي لديهم على مصراعيه، بخلاف الشيعة الاثني عشرية؛ فباب الاجتهاد انفتح لديهم بشكل واضح وجلي بعد الغيبة الصغرى للإمام الثاني عشر أرواحنا فداه، الذي تلا زمنه زمن الإمام الكاظم عليه الصلاة والسلام بعقود طويلة من الزمن.

وعليه؛ فإن الانطلاق الاجتهادي لدى إخواننا السنة وبقية المذاهب الأخرى كان سبباً كبيراً لوضع العلوم وتأسيسها، وإن كنا نقول في الإطار الإسلامي بأن الشيعة كان لهم السبق دائماً في تأسيس العلوم؛ باعتبار أن أهل البيت عليهم الصلاة والسلام كانوا يرشدون الناس جميعاً، سواء أتباعهم أو غيرهم، فكانوا يفتحون أمامهم آفاق العلم ويروون عطش الأذهان للمعرفة؛ وخير شاهد على ذلك عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، وعصر الباقرَين محمد بن علي بن الحسين وجعفر بن محمد بن علي بن الحسبن «الصادق» عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ فعليٌّ سلام الله عليه جَمَعَ القرآن، وعلَّمه أكابر علماء التلاوة في ذلك العصر ممن نقلوا لنا القرآن الكريم، وعليٌ عليه الصلاة والسلام وضَعَ علم النحو وأعطى منطلقاته لأبي الأسود، وهو من أكابر تلامذته، وعليٌ ألقى الخُطَب الكثيرة في شتى المعارف الكلامية والفلسفية والمعرفية، وعليٌ أقام محكمة قضائية عملية في الكوفة التي تمثل منطقة مركزية وحساسة في البلاد الإسلامية، ومَنْفَذ الجزيرة العربية والحجاز المحاطة بالبحر، ومنطقة الانفتاح على الفرس والروم والشامات ومصر ومختلف بلاد العالَم، وغير ذلك من العلوم التي تم تقريرها عنهم عليهم الصلاة والسلام في مَباحث مفصَّلة في محلها.

بعد ملاحظة هذه الأمور المهمة؛ نجد أن المذاهب التي لم تتبع أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، كانت قد وضعت في مجال بحوثها مصطلحات خاصة ومتلائمة مع مَطالب البحث لديها، ولأنه من الطبيعي أن يشار لذلك في الأسئلة الموجَّة لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام وفي كلماتهم وخطاباتهم التعليمية والإرشادية؛ لذا حصل استعمال للألفاظ الاصطلاحية بشكل واسع في لسان أهل البيت عليهم الصلاة والسلام ومن ثم في لسان علماء أتباعهم وشيعتهم، خصوصاً وأنك عند الرد والخطاب العلمي الجاد الهادف للهِداية تجد نفسك مضطراً للخطاب بنفس عبارة المخاطَب الذي تحاوره وترشده؛ لأسباب على خط الهِداية كثيرة، سيّما في ظل جو الخطاب العلمي والإعابة عليك من قِبَل بعض المتسطحين عند الإجابة ببيان علمي عرفي لا يَتَّسِم بلغة العلم المعيَّن المطروحة منه المسألة المتناوَلة؛ ومن ثم التشكيك في القدرة العلمية والإحاطة الجيدة بحصيلة العلم به.

كل هذا ناهيك عن مواجهة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام للترجمات التي حصلت لعلوم اليونان، وتشجيعهم للناس على هذا الانفتاح الإيجابي لتسيير الإسلام لمختلف نقاط العالم وتعميق علوم المسلمين وتحصينهم المبكر عن الغزو الذي قد يواجههم في أي لحظة، ففي ذات الحال التشجيعي كانوا عليهم الصلاة والسلام ينَقُّون تلك العلوم المترجَمة من الخطأ والخلل؛ وهذا بنفسه كان يستدعي التعامل مع المصطلحات الكامنة في تلك الكتب المترجَمة بصورة واسعة، خصوصاً في عصر المأمون العباسي وعصر الإمام الرضا صلوات الله وسلامه عليه.

لذا؛ نجد أهل البيت عليهم الصلاة والسلام استعملوا الكثير من العبارات الفلسفية والكلامية، وإن سعوا عليهم الصلاة والسلام بقوة إلى تذليل تلك المصطلحات وصياغتها في قوالب معرفية وعبارات رقيقة سهلة سلسة التلقي لدى جميع الأفهام أو غالب الناس؛ ذلك لأنهم عليهم الصلاة والسلام رُسُل هِداية وأعلام تربية لكافة الناس لا لجماعة دون أخرى، وهذا عين ما أشار إليه الحديث الشريف بأنه رسول الله ﷺ «ما كَلَّم أحداً بكُنْهِ عقلِه قَط»، والحديث الشريف «نحن مَعاشر الأنبياء أُمِرْنا أن نخاطِب الناس على قدر عقولهم»، ومعلوم أن هذه السيرة تشمل الأوصياء؛ باعتبارهم ورَثة الأنبياء ويحملون مهامهم بالكامل، في الوقت الذي كانوا يحافظون فيه على خصوصية المخاطَب ومَرتبته العلمية، وأن لكل إنسانٍ لغة تناسب مستواه وأن الكلام مع العالِم والفقيه والمحقق المدقِّق ليس كالكلام مع العامة..

ومن ذلك تعبيرهم في كثير من الروايات بلفظة «القِدَم» و«الحُدوث» في المسائل الإلهي والصفات كالعلم وما ارتبط بمسألة خَلْق القرآن الكريم، وكتعبيرهم في الوحدة الإلهية الحقيقية الحَقَّة ب «واحد لا من باب الأعداد»، والتعطيل والحَد، وغير ذلك، في الوقت الذي مَزجوا فيه هذه المصطلحات - كما ذكرنا - بالتبسيط في تركيبهم لعبائرهم عليهم الصلاة والسلام العلمية؛ جمعاً منهم بين كافة الأذواق، وهداية الكل، ورقياً في الخطاب، وإبداعاً في البيان بما يشير لقدرتهم الفائقة على محاكاة احتياجات الجميع، وهداية الجميع، وتحقيق الغاية الإلهية مِن تنصيبهم أعلاماً لهدى الجميع.

3 - بلحاظ أَخَص؛ وهو يتعلق بالمسار العلمي الداخلي التابع لمذهبنا؛ فإنّ استعمال المصطلحات كان وليد كل ما سبق مع ما اعتادته الساحة العلمية والفكرية المعرفية لدينا في مسيرتها عند تعميق العلوم وتتميمها، ومن ثم السير فيها بنسَق ونفَس علمي صناعي تعبيري واحد؛ كي لا تختل صياغاتها العلمية الموزونة.

ومن ذلك ما نراه في علم أصول الفقه - وهو علم تبلور عندنا بوضوح مؤخراً - وعلم الفقه وعلم الكلام وغيرهم، وإن كانت مصطلحات العلماء إنما هي مقتَبَسة من ألفاظ بسيطة عرفية أطلقها الأئمة عليهم الصلاة في مختلَف البحوث، فأستشفَّ منها العلماء مصطلحات واقتبسوها لاستعمالها في مجالات بحوثهم، كل مجال بحسبه.

4 - وهناك قضية عامة مهمة جداً؛ تشمل العلوم التخصصية ككل أشرنا لها في وقفةٍ سابقة؛ مفادها أن اللغة الاصطلاحية لغة مختصرة وسريعة في تلقي العلم وتعليمه؛ حيث تختصر على الطالب المتخصص وقته وجهده؛ ذلك لأن العبارة الاصطلاحية جملتها الواحدة قد تختصر ورقة أو مقطعاً طويلاً، بينما الطالب المتخصص لا يحتاج لكل هذا التطويل بعد وقوفه على مراد المصطلح وإتقانه له، بل إذا خاطبت المتخصص بغير المصطلحات أثناء درسه وفي الكتب التخصصية؛ فإنّه يمل وينال شعوره الفتور، بل وقد لا يجد حاجة وأهمية لحضور الدرس؛ فكل هذه الأمور تشكل عدة علل لصياغة العلوم التخصصية بعبائر اصطلاحية، تماماً كالمنطق الرمزي والرموز الفيزيائية للعناصر الطبيعية وغير ذلك.

ومن أسباب استعمال لغة الاصطلاح أيضاً إرجاع الطالب للأستاذ والشيخ؛ لحمايته من الوقوع في الفهم الخطأ، والحيلولة عن وقوعه في تكوين منظومة معرفية متراكمة من الأخطاء التي تحصل بالفهم التفردي؛ فمفاهيم العلم إنما تبلورت في خضم الجهود الكبيرة والجبارة التي بذلها العلماء والمفكرون طيلة قرون ممتدة وتجارب متراكمة، ومن الطبيعي أن فهمها بصورة سليمة يحتاج لعرضها وتلقيها من الخبير بتلك المضامين، خصوصاً وأن الألفاظ حَمّالة وجوه، وأن كل إنسان يفهم العبائر بحد مستواه، وهذا بخلاف التلقي من الأستاذ والشيخ الخبير؛ إذ يقلِّص هذه المشكلة بدرجة كبيرة جداً، ويكون حارساً لسلامة فكر الطالب من خلال استماعه لما فهمه عند سؤاله للشيخ وحواره معه، أو عند الامتحان، أو مع زميل الدرس ثم التخالف ورَفْع الخلاف للأستاذ وما شاكل.

لذا؛ أكد الحكماء وعلماء السلوك على عرض العلم على المشايخ والخبراء، كما منعوا عن أخْذ العلم من الصحيفة والصحفي والمصحفي؛ ويعنون بالصحيفة والصحفي والمصحفي أي الذي يأخذ معارفه من بطون الكتب دون أن يعرضها على العلماء ودون أن يتلقاها من الأساتذة العارفين. وقد وردت الكثير من الآيات والروايات في هذا الشأن، بل وحتى الخبر الناص على أن العلم ميراث العلماء يتضمن تصريحاً جليلاً بذلك عند التعمق في مفاده الغزير.

وعلى أي حال؛ فقضية أهمية التلقي من العلماء والمشايخ الخبراء العارفين هي قضية بدهية واضحة تؤكدها الوقائع والتجارب الكثيرة التي مر بها الكثيرون ولاحظها الكثيرون؛ فجرِّب مثلاً قدِّم كتاباً علمياً لعدة أشخاص غير حائزين على درجة علمية مقبولة في الفهم العلمي بمجال معين، ونفس الكتاب قدمه لمتخصص، وانظر التفاوت بين الفهم حتى في أوضح ما يتضمنه ذلك الكتاب، بل ستجد غير المتخصص قد طار لبُّه في وادٍ متسع الفهم والإدراك وراح إلى أبعد ما يكون عن المقصود وما يحمله من الصحة والخطأ.

وليس ما نقول هو ضرب من التعجيز لغير المتخصص، فإنما هو الواقع الصادق البيِّن، وبالحق يعرف الإنسان معالم الرَّشاد، ومن ثم يصير إلى النجاة، فالوقاية خير من العلاج؛ إذ ليس العلاج دائماً ينفع.

من هنا استعمل أصحاب الصناعات العلمية المصطلحات المُغلقة والتراكيب الغامضة على الغير. نعم؛ تجاوز البعض حد المصلحة؛ فأَفرَط أيما إفراط في ذلك؛ بالدرجة التي لم يفهم حتى أهل التخصص مراداته، فلا هو حفظ علمه ولا غيره استفاد من عطائه كما ينبغي، كما أن البعض تشعبت التفسيرات لعبائره إلى ما الله سبحانه أعلم به؛ فكان مثالاً لقول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: ”العِلمُ نفطةٌ كَثَّرَها الجُهَّال“!؛ فأمثال هذه الأفاعيل تجهد حتى أهل العلم وتؤذيهم وتتلف أثمن أوقاتهم الغالية الضيقة. نعم؛ إذا كانت شدة الإغلاق في العبارة تستهدف غاية حكيمة؛ مثيل تحفيز النشاط الذهني ودك حصون الفهم لتفريخ المعرفة وتوليدها بطرح الاحتمالات المتعددة وتقليب وجوه الآراء والتفكير البالغ؛ إثراءً للعلم وتقويمه؛ فذلك جيد، وإن كان الأفضل تجنبه إلا بمقدار ما يَلتزِم بتحقيق هذه الغاية الشريفة باتزان؛ فلا ينفر نفوس طلاب العلم ولا يعطِّل المصالح الأكبر والأهم؛ فالعلمُ عِلمٌ وأمانة وليس محلاً لاستعراض العضلات اللفظية الإيهامية الإبهامية، وإلا كان فاعل ذلك مشمولاً لقوله عليه الصلاة والسلام: كَثَّرَه الجُهّال، وغيره مِن القدْح والذم الوارد على ألسنتهم صلوات الله وسلامه عليهم؛ إذ لو كان في استعراض العضلات اللفظية الإيهامية خيرٌ لسبقونا إليه وهم أهل الكلام والفصاحة والعارفين بالأسرار وغوامض الأحوال، لكنهم لم يفعلوه ولا تعاملوا بكنه عقولهم ومقاديرهم، وإنمما التزَموا بالحكمة والتكلم بقدر الحاجة والمفهوم، وهم القدوة وعلينا التمسك بنهجهم القويم.

هذه لمحة وجيزة للعلل الباعثة لاستعمال لغة المصطلح في العلوم.

ختاماً

أشير إلى الحاجة الماسة لتبسيط العلم وتيسيره لتسييره للناس وتعميم منافعه؛ فليس الكل يقدر على دخول غمار التخصص؛ فالحياة متعددة المهام، وتحتاج للتكافل والتكاتف والتنوع والتعاون؛ فالبشرية تحتاج للنجار والمزارع والبقال والطبيب والطيار والمهندس والسائق والمترجم والفلكي و..، فلا يمكن أن نطلب من الجميع التخصص في كل شيء، وبالخصوص علوم الدين العامة التي نفعها للجميع في الدنيا، وجعلها الله لكل خلقه، والتي يسألنا الله تعالى عنها يوم القيامة. بالتالي؛ لابد من السعي الحثيث في صياغة الكتب العلمية مرة أخرى خاصة لعامة الناس، بلغة سلسة وعبائر سهلة؛ لتنويرهم وتثقيفهم والارتفاع بهم عن الجهالة وضعف اليقين والإيمان وتخليصهم من الخسران، مع الحفاظ في نفس الوقت على التأليف الاصطلاحي المختص برواده وصروحه.

إنّ هذه المهمة - مهمة صياغة الكتب مجدداً بتبسيطها - مهمة جسيمة وعظيمة ولها من الأجر ما لا يزهد فيه المؤمن خاصة ولا الإنسان عامة؛ فهي مهمة إنسانية نبيلة قبل أن تكون دينية واجبة، وهي مهمة ينبغي أن يتصدى لها جماعة من ذوي المستويات الثقافية المقبولة والبارعة القادرة على تحقيق الهدف المنشود؛ ذلك لأن أصحاب المستويات المعرفية المتدنية إذا مارسوا هذه المهمة فإنهم هم قبل ذلك أحوج للفهم السليم للمحتوى، فإذا كان فهمهم قد وقع خاطئاً؛ فإن تبسيطهم للمراد لن يكون بذي جدوى ولا بذي قيمة، بل سيكون بلاءً ونكالاً؛ كما يمكن تلافي ذلك بعرض ما يقومون به من تبسيط على ذوي الكفاءة والخبرة الجيدة للمراجعة والتثبُّت.

وكذا أصحاب المستويات العلمية العالية الغير معتادين على الصياغات السهلة؛ فهم لو قاموا بهذه المهمة؛ فلن يتحقق بهم المراد؛ ذلك لأنهم وإن كانوا غالباً محصنين من الوقوع في الفهم الخطأ، إلا أنهم لن يستطيعوا صياغة العبائرة بصورة مرنة مبسوطة وتحقيق الغرض بإيصال المطلوب في كثير من الأحيان؛ وذلك يعود لاعتيادهم على التعابير المضغوطة والمغلَقة؛ وهذا أيضاً سبب آخر من أسباب وقوع التعقيد في العبائر؛ لذا لابد من أن يتصدى للمهمة جماعة ممن يمتازون بسمة الفهم والقدرة على استعمال اللغة الميسورة، أو عرض نتاج هؤلاء المتخصصين الميسَّر على مَن لديهم قدرة جيدة في هذا المجال لمراجعته وتقويمه..

وكذا تحتاج المسألة لعنصر مهم جداً؛ وهو الصبر؛ ذلك لأن التبسيط يحتاج لمجهود كبير، وخصوصاً إذا تصدى له صاحب المستوى العلمي العالي؛ فهو يحتاج لسعة صدر وطول بال وعدم التعجل؛ ذلك لأن إخظار العبائر البسيطة والألفاظ السهلة يحتاج لنشاط ذهني ومجهود متسع لبلورة الجُمَل الميسورة وصياغتها في قوالب مفهومة للجميع، وإلا فإن المستهدَف لن يتحقق بالشكل المأمول. وإلا فإنّ تذليل العبائر وتسهيلها يحتاج لضوابط علمية مهمة لايتجاوزها القائم بهذه المهمة الإلهية الجليلة، ولك أن تستزيد في ذلك - إن شئت - بمراجعة كتابنا «الرسائل العملية مقارنة بين الرسائل الأخبارية والأصولية، ومشلاتها، وعلاجاتها»، والكثير مما ذكرناه من أُسس في مقال «ضوابط الكتابة القصيرة».

إنّ هذه المسألة من الواجبات الكفائية بحق، وترْكها يعني استحقاق الجميع للعقوبة الإلهية والخذلان الإلهي إذا حصل هنالك شِحّة ونقص في التعليم وإيصال المعرفة وامتثال فرع الدين الكبير: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، الواجب على الجميع كافة بالوجوب الكفائي المتوجه بدايةً للجميع دون استثناء.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com