آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 8:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

أيها ”الإسبان“.. من أنتم؟

حسين العلق *

عندما أطلق الاتحاد السوفييتي القمر الصناعي ”سبوتنيك“ عام 1957 كأول قمر صناعي على الإطلاق، شكل ذلك صفعة ساخنة على وجه الأمريكيين، الذين كانوا حتى ذلك الحين راقدين على وثير السبق النووي الذي تحقق لهم في العام 1945. غير أن تلك الصفعة أيقظت الأمة الأمريكية فأحدثت ثورة تعليمية هائلة على مستوى الولايات المتحدة، تم خلالها تغيير المناهج الدراسية رأسا على عقب، وزادت معها حصص المواد العلمية بشكل كبير ومنهجي، وخلال عقد من صرخة الإنقاذ القومية هذه كما وُصفت آتت أكلها وجائت بنتائج باهرة، جعلت من عقد الستينات عهدا للفورة الفضائية، فقد أرسلت الولايات المتحدة الكبسولة ميركوري عام 1961 وعلى متنها رائد الفضاء آلان شيبارد، ولم يمض عام واحد حتى دار رائد الفضاء الأمريكي جون غلين ثلاث دورات حول الأرض، إلى أن توجت هذه الثورة بهبوط نيل آرمسترونغ أول رائد فضاء أمريكي يطأ سطح القمر عام 1969. هكذا إذن عالج الامريكيون احدى أكبر مشاكلهم المرتبطة بمجد وكرامة وتفوق الأمة، ولنرى في مقابل ذلك كيف يعالج ”الإسبان“ مشاكلهم؟

لدى ”الإسبان“ عقليات فذة ونادرة لا مثيل لها، ولذلك تأتي حلولهم عجيبة وغريبة يكاد لا يستوعبها العقل البشري. ولعل آخر ما تفتقت عنه هذه العقلية، ما جرى مؤخرا، تحت وقع الانجاز النووي الذي تحقق لجار لدود مجاور لهم، بأن قام وزير التعليم الإسباني باتخاذ خطوتين جبارتين، في الاتجاه المعاكس تماما!

الخطوة الجبارة الأولى التي اتخذها حضرة الوزير الإسباني هي ”تعقيد“ برنامج الابتعاث الخارجي. هذا البرنامج الذي يمكن اعتباره أعظم برنامج تنموي واستثمار بشري اتخذته البلاد على الاطلاق، وسبقتنا إليه دول كثيرة، إذا به يتعثر ويدخل في تعقيدات وزارية لا مبرر مقنع لها. ولعل أبرز نكسة ”جبارة“ هي قرار شطب الوزير العتيد لما يزيد على اثني عشر الف طالب يدرسون في الخارج على حسابهم الخاص انتظارا للانضمام لبرنامج الابتعاث على حساب الدولة، تبعا للإجراء المتبع في وزارته منذ سنوات، وإذا به يشطب طموحات آلاف الطلبة المغتربين بجرة قلم وليجبروا على العودة للبلاد بخفي حنين بعد أن تكبد أهاليهم مصاريف مالية كبيرة!. أي أنه في الوقت الذي يفترض فيه تخفيف الإجراءات وزيادة أعداد الطلاب المبتعثين للخارج للدراسة في شتى التخصصات المطلوبة لعل وعسى نستطيع اللحاق بالآخرين، إذا بنا نعود القهقرى، فأي عقل بشري يستوعب هذا؟!

الخطوة الجبارة الثانية التي اتخذها الوزير الموقر تقضي بإنشاء فصول جديدة في المدارس العامة لتدريس الكتاب المقدس. علما بأن لدى الإسبان كما هو معروف إحدى أعلى نسب التعليم الديني في جميع المراحل الدراسية علاوة على مدارس وحلقات التحفيظ والقنوات والبرامج الدينية ناهيك عن عشرات الآلاف من أماكن العبادة، لكن حضرة الوزير العتيد أبى إلا أن يطبق المثل الشهير ”زيادة الخير خيرين“ ولذلك أمر بإنشاء فصول جديدة لتحفيظ الكتاب المقدس في المدارس!. علما بأن هذه الخطوة الوزارية تأتي حلا لمشكلة غير موجودة أصلا فلدينا فائض من التعليم الديني بلغ أصقاع الأرض!

حقيقة الأمر، أنه وعلى غرار ما فعل الامريكيون لمعالجة مشكلة تأخرهم عن خصمهم اللدود، كان من المتوقع /المفترض أن يتخذ ”الإسبان“ إجراءات تطويرية حقيقية كبيرة في هذا السبيل. إجراءات تتجاوز جانب الاستعراض والاسترضاء، وتجيب عن سبب غياب جامعاتنا عن سلم الجامعات ال 100 بل ال 500 الأفضل في العالم، هذا ما يقوله العقل والمنطق وتجارب الأمم، أما أن يأتي الرد الإسباني بخطوات عكسية تأخذ نظامهم التعليمي للوراء، وإجراءات قاتلة تضطر ابنة الجنوب لأن تدفع حياة والدتها من أجل مقعد جامعي في الشمال، وأن يبقى ال 110 يكابد للحصول على مقعد جامعي أو ظيفة في منطقة ال 220، وبعدها نحلم بمقارعة المتفوقين في هذا العالم، فهذا ما لا تستوعبه عقول البشر مجتمعة ولا تستطيع معالجته كل كمبيوترات الأرض!. أيها ”الإسبان“ من أنتم؟

كاتب سعودي