آخر تحديث: 20 / 11 / 2019م - 2:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

رسالة من سجن برمنجهام

مطر النجيدي

Letter from Birmingham jail
رسالة من سجن برمنجهام [1] 
ابريل 16 / 1963م
الكاتب/ د. مارتن لوثر كنج [2] 
ترجمة/ مطر النجيدي [3] 

أعزائي وزملائي رجال الدين:

بينما أنا هنا مقيد في سجن مدينة برمنجهام اطلعت مصادفة على البيان الأخير لكم والذي يدعي أن نشاطي الحالي" غير حكيم وسيئ التوقيت". نادرا ماأتوقف للرد على انتقاد أعمالي وأفكاري. لو أريد أن أجاوب على جميع الإنتقادات التي تعبر على طاولتي، فأن السكرتارية لن تملك الا الوقت القليل لأي عمل آخر سوى مثل هذه المراسلات خلال اليوم وسوف لن يصبح لدي الوقت لأي عمل بناء. لكن بما أنني أشعر أنكم رجال ذوو نية حسنة وانتقادكم عبرتم عنه بإخلاص، أنني أريد المحاولة للإجابة على بيانكم فيما أتمنى أن يكون بصبر وعبارات معقولة.

أعتقد ينبغي أن أشير لماذا أنا هنا في برمنجهام، بما أنكم متأثرون بوجهة النظر التي تجادل ضد" الخوارج حضروا" أنني أحظى بشرف خدمتي في منصب رئيس مؤتمر القيادة المسيحية في الجنوب، المنظمة التي تعمل في كل الولايات الجنوبية ومكتبها الرئيسي في أتلانتا / جورجيا. لدينا 85 منظمة تابعة في الجنوب وواحدة منهم "الحركة المسيحية في الاباما لحقوق الإنسان". أحيانا نتقاسم الموارد العمالية، التعليمية والمالية مع فروعنا. منذ عدة شهور فرعنا هنا في برمنجهام طلب منا أن نكون تحت الطلب للاشتراك في برنامج الفعل المباشر اللاعنفي اذا أصبح ذلك ضروريا. نحن فورا وافقنا ولما حانت الساعة كنا نعيش وعدنا. ولذلك أنا وعدد من الموظفين معي هنا لأننا تمت دعوتنا الى هنا. أنا هنا لأن عندي روابط تنظيمية.

لكن ببساطة أكبر أنا في برمنجهام لأن الظلم يوجد هنا، بالضبط كما الأنبياء في القرن الثامن قبل الميلاد غادروا قراهم وحملوا معهم" هكذا قال الرب" أبعد من حدود محل مسقط رؤوسهم، وتماما مثل الحواري - بول - هاجر من قريته تورس وحمل معه إنجيل المسيح عيسى الى الزوايا البعيدة في العالم الروماني - الأغريقي، ولهذا أنا مجبر أن أحمل انجيل الحرية بعيد جدا من بلدتي. كما بول لابد أن أستجيب دائما الى دعوة المقدونيين للأنقاذ.

من ناحية أخرى أنا مدرك للعلاقة المتداخلة بين جميع المجتمعات والولايات. من غير الممكن أن أجلس عاطلا في أتلانتا غير مكترث بما يحدث في برمنجهام. الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان. نحن عالقون في شبكة لا مفر فيها من التبادلية، مربوطين في لباس مصيري واحد. ما يؤثر على أحد مباشرة يؤثرعلى الجميع على نحو غير مباشر. لا يمكن نتحمل أن نعيش بالفكرة الضيقة والمحلية" المحرضون الخوارج". أي فرد يعيش داخل الولايات المتحدة لايمكن إعتباره خارجي في اي مكان داخل هذه الحدود.

أنتم أستهجنتم المظاهرات التي جرت في برمنجهام، غير أن البيان، من المؤسف أن أقول فشل في التعبير عن قلق مماثل للظروف التي أنتجت المظاهرات. أنا على يقين بأن لا أحد منكم يريد أن يرتاح مقتنعاً بالتحليل الإجتماعي السطحي والذي يتعامل فقط بالتأثيرات ولا يُمسك بالأسباب الجوهرية. من سوء الحظ أن تجري المظاهرات في برمنجهام، ولكن الأسوء مؤسسة السلطة البيضاء للمدينة تركت المجتمع الزنجي بدون خيارات.

في أي حملة لاعنفية هنالك أربع خطوات رئيسة: جمع الحقائق للتأكد من وجود الظلم، التفاوض، تطهير النفس، والعمل المباشر. نحن قمنا بكل هذه الخطوات في برمنجهام، ولا يمكن إنكار حقيقة الظلم العنصري الذي يبتلع هذا المجتمع. برمنجهام من المحتمل ان تكون أعظم مدينة معزولة تماما في الولايات المتحدة. وسجلها الوحشي الفظيع معروف على مستوى عريض. الزنوج جربوا التعامل الظالم التام في المحاكم. التفجيرات التي ليس لها حل لبيوت وكنائس الزنوج في برمنجهام هي الأكثر من بين المدن في البلاد. وهي تلك الحقائق الصعبة والمؤلمة للقضية. وانطلاقا من هذه الأوضاع، القادة الزنوج أرادوا التفاوض مع الآباء في هذه المدينة، لكنهم أصروا على الرفض في الولوج في مفاوضات حسن نية.

ومن ثم في سبتمر الفائت أتت الفرصة لإجراء محادثات مع قادة المجتمع الاقتصادي في برمنجهام. وفي مسار النقاشات ثمة وعود محددة حدثت من التجار ومثال ذلك إزالة اللوحات العنصرية والمهينة على المتاجر. وبناء على تلك الوعود فإن القس فريد شتلزورث والقادة في الحركة المسيحية في ولاية الاباما لحقوق الإنسان وافقت على تعليق كافة التظاهرات. ومع مرور الأسابيع والشهور، أدركنا أننا كنا ضحية الوعد المنقوض. لوحات قليلة أُزيلت لمدة قصيرة واُعيدت والأُخريات بقيت مكانها.

كما في تجاربنا العديدة السابقة تبددت آمالنا واستوطنتنا ظلال من الإحباط العميق. لم تكن لنا خيارات باستثناء التحضير للعمل المباشر، وتقديم أجسادنا كسبيل لطرح قضيتنا أمام ضمير المجتمع المحلي والوطني. مدركين للمصاعب قررنا الشروع في عملية تطهير النفس. بدأنا سلسلة من ورش العمل بخصوص اللاعنف وكررنا السؤال على ذواتنا" هل بامكانكم قبول الهجوم من غير إنتقام؟ " و" هل بامكانكم تحمل محنة السجن؟ " قررنا التخطيط لبرنامج العمل المباشر أثناء عيد الفصح، مدركين ماعدا أعياد الميلاد، فهذا وقت التسوق الأساسي خلال العام. ومطلعين على أن برنامج انسحاب اقتصادي قوي سيكون مصاحباً للعمل المباشر، وشعرنا أن هذا أفضل وقت لمارسة الضغط على التجار للتغيير المنشود.

وحدث أن انتخابات رئاسة بلدية برمنجهام قادمة في مارس، واتخذنا قرارا على وجه العجالة بتأجيل العمل حتى مابعد يوم الإنتخاب. عندما أكتشفنا أن مفتش الشرطة للسلامة بول كونور جمع أصواتا تكفي ليدخل الجولة الثانية. قررنا مرة أخرى تأجيل العمل الى مابعد الجولة الثانية حتى لاتُستخدم المظاهرات في تضليل القضايا. مثل الكثيرين أنتظرنا لنرى هزيمة السيد كونور والى هنا تحملنا تأجيل يتلوه تأجيل. لمساعدة هذا المجتمع شعرنا بأن برنامج العمل المباشر لم يعد قابلا للتأجيل.

لربما يُطرح السؤال: " لماذا العمل المباشر؟ " لماذا الإعتصامات، المسيرات وهلم جرا؟ أليس التفاوض طريقا أفضل؟ هذا صحيح جدا للدعوة للتفاوض. بالطبع هذه الغاية ذاتها للعمل المباشر. العمل المباشر اللاعنفي يبحث عن خلق أزمة وايجاد توتر لإجبار المجتمع الرافض باستمرار للحوار بقبول ذلك، وتبحث عن تهويل القضية حتى لايمكن تجاهلها مستقبلا. استشهادي بخلق حالة توتر كجزء من العمل المقاوم اللاعنفي لربما يبدو صادما جدا. ولكن يجب أن أعترف أنني لست خائفا من كلمة"توتر". أنا عارضت جديا التوتر العنفي ولكن يوجد نوعا من التوتر البناء اللاعنفي الضروري للإنتاج. بالضبط كما شعر سقراط بضرورة خلق توتر في العقول حتى يتمكن الأفراد من النهوض من الإستعباد للخرافة وأنصاف الحقيقة الى فضاء التحرر من التحليل الخلاق والتقييم الموضوعي، ولذلك يجب علينا ان نرى الحاجة الى ذبابة الخيل اللا عنفية لإحداث نوعية التوتر في المجتمع ليساعد الرجال على النهوض من الأعماق المظلمة في التعصب والعنصرية الى القمم الملكوتية من التفهم والأخوة.

الغاية من برنامج العمل المباشر هو خلق حالة لضغط الأزمة وحتماً ستفتح باباً للتفاوض. ولذلك أنا أتفق مع دعوتكم للحوار. لفترة طويلة أحباؤنا في الجنوب عالقون قي جهد تراجيدي للعيش منفردين عوضا من الحوار الثنائي.

أحد أهم النقاط في بيانكم أنني وزملائي في برمنجهام كان التوقيت لعملنا غير مناسبا. " لماذا لا تعطون الإدارة الجديدة للمدينة الوقت لتعمل؟ " الجواب الوحيد الذي بامكاني أقدمه لكم على هذا التساؤل هو أن الإدارة الجديدة لبرمنجهام يستوجب حثها كما الادارة السابقة قبل أن تعمل. نحن من المحزن مخطئون اذا شعرنا أن إنتخاب السيد البرت بوتويل رئيسا للبلدية سيجلب الألفية الى برمنجهام. بينما السيد بوتيل شخصا أكثر لطفاً من السيد كونور، كلاهما عنصريان، مخلصان لإستمرار الوضع الراهن. عندي أمل أن السيد بوتيل عقلانيا بأن يبصر العقم من المقاومة الهائلة لإلغاء التمييز العنصري. ولن يعرف هذا دون الضغط من مناصري الحقوق المدنية.

أصدقائي يجب ان أقول أننا لم نحصل على مكسب واحد في الحقوق المدنية بدون ضغط سلمي وقانوني بإصرار. من المحزن أن الحقيقة التاريخية هي أن الفئات صاحبة الإمتيازات نادرا ما تنازل عن إمتيازاتها طواعية. الأفراد من المحتمل أن يروا النور الأخلاقي وطوعا يتخلوا عن موقفهم الظالم، ولكن كما يذكرنا رينهولد نيبهور، المجموعات تميل الى انعدام الأخلاقية أكثر من الأفراد.

نحن نعرف من خلال الخبرات المؤلمة أن الحرية لا توهب طواعية من قبل المستبد، يجب أن تُنتزع بواسطة المقموعين. حقاً يجب أن أنخرط في حملة برنامج العمل المباشر " التوقيت الجيد" في نظر هؤلاء الذين لم يعانون بإفراط من مرض العزل العنصري. لسنوات الآن أستمعت الى كلمة" انتظر" انها تقرع أُذن كل زنجي مع معرفة ثاقبة. هذا " الإنتظار" دائما تقريبا يعني " كلا". يجب أن نرى من أحد قضاتنا المتميزين أن " عدالة متأخرة طويلا يعني إنكار العدالة ".

إننا إنتظرنا أكثر من ثلاثمائة وأربعون عاما لنيل حقوقنا الدستورية والموهوبة لنا من الله. دول آسيا وأفريقيا يتحركون بسرعة الطائرة الى الأمام يحققون الاستقلال السياسي، لكن نحن نزحف بثبات بخطى عربة الحصان لنحصل على فنجان قهوة على منضدة غداء. من السهولة المحتملة لأولئك الذين اطلاقا لم يشعروا بالنبال اللاذعة للعزل العنصري أن يقولوا" انتظروا". لكن عندما تشاهد الغوغاء الخبثاء يقتلون عمدا الأمهات والآباء بالشهوة ويغرقون أخواتك وأخوانك بسبب النزوة، عندما ترى الكراهية ملأت شتائم رجال الشرطة، يركلون وحتى يقتلون اخوانك وأخواتك، لما تعاين الأغلبية الساحقة من ال 20 مليون من إخوانك الزنوج يختنقون في قفص محكم من الفقر في وسط مجتمع ثري، حينما فجأة تكتشف لسانك ملوياً وخطابك متتلعثماً عندما تبحث أن تشرح لأبنتك ذات الست سنوات لماذا هي لاتستطيع الذهاب الى منتزه ترفيهي عام والذي لتوه يروج له على التلفزيون وترى الدموع تتدفق في عيونها عندما تعلم أن القرية الترفيهية مغلقة على الأطفال الملونين، وتشاهد غيوم الشؤم من الإزدراء تبدأ في تشكيل سماء عقلها، وتراها تبدأ في تشويش شخصيتها إثر القسوة الغير واعية تجاه البيض، عندما يجب عليك تلفيق جوابا لإبنك صاحب الخمس سنوات الذي يسأل" أبي لماذا المواطنين البيض يعاملون المواطنين السود باحتقار؟ "، عندما تجوب أمريكا بسيارتك وتكتشف ان عليك النوم ليلة بعد ليلة مضطراً في زوايا غير مريحة من سيارتك لأن الفنادق ترفضك، ولما تتعرض للإهانة في كل يوم باليافطات "الأبيض" و"الملون"، وعندما يُصبح إسمك الأول " زنجي" وإسمك الأوسط "ولد" «حتى وأنت مُسن» واسمك الأخير"جون"، وزوجتك وأمك لاتعطى إطلاقا لقب محترم " سيدة"، ولما تغزى نهاراً وتُصطاد ليلاً بالحقيقة أنك زنجي تعيش باستمرار على رؤوس أصابع قدمك، لاتعلم ماذا تتوقع بعد، ومصاب بالخوف من الداخل والإستياء من الخارج، ولما دوماً تصارع شعور انحطاطي ب"النكرة"، سوف تفهم لماذا نحن نجد من الصعوبة الإنتظار. إنه يأتي وقت عنده يفيض فنجان الصبر، والرجال لايريدون أن ينغمسوا في هاوية اليأس. أنني أتمنى ياسادة أن يكون باستطاعتكم فهم تململنا الحتمي والشرعي.

أنكم عبرتم عن قدر كبير من القلق تجاه رغبتنا في خرق القوانين. وهذا بالتأكيد قلق مشروع. وبما أننا نطالب الناس بجد أن ينصاعوا لقرار المحكمة العليا لعام 1954 بتجريم العزل العنصري في المدارس العامة، بنظرة أولية من الممكن يبدو لنا تناقض أننا نخالف القانون قصداً. من المحتمل ان يسأل الواحد " كيف لكم أن تساندوا مخالفة قوانين ولإمتثال لقوانين أخرى؟ " والجواب يكمن في الحقيقة بوجود نوعان من القوانين: عادلة وظالمة. سأكون أول شخص بدعم الإمتثال للقوانين العادلة. الشخص ليس لديه فقط مسئولية قانونية ولكن مسئولية أخلاقية ان يطيع القوانين العادلة. وعلى النقيض لدية مسئولية أخلاقية أن يرفض القوانين الجائرة. ينبغي أن أتفق مع القديس أوغسطين أن " القانون الجائر ليس قانونا أبدا".

والآن ماهو الفرق بين الإثنين؟ كيف يستطيع المرء أن يقرر ماإذا كان القانون عادلاً أم جائراً؟ القانون العادل نظام من صناعة الإنسان يتوافق مع القانون الأخلاقي أو القانون الإلهي. القانون الجائر نظام لا ينسجم مع القانون الأخلاقي. بتعبير القديس توماس الأكويني: القانون الجائر قانون انساني غير متجذر في القانون الأبدي والقانون الطبيعي. أي قانون يرفع من قيمة شخصية الإنسان عادل. أي قانون يحُط من شخصية الإنسان جائر. كل تشريعات الفصل العنصري هي ظالمة لأن العزل العنصري يُشوش الروح ويُدمر الشخصية. إنه يعطي الممارس للتميز شعور وهمي بالفوقية وللضحية المعزول شعور كاذب بالدونية. الفصل العنصري، باستخدام تعبير الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر، تبديل علاقة " أنا /هذا «لغير العاقل» مكان أنا/ أنت «للعاقل» " وينتهي الى تنزيل درجة الأشخاص الى حالة الأشياء. ولذلك العزل العنصري ليس مضرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا فحسب وإنما خطأً أخلاقيا مشيناً. بول تلخ قال الحرام هو العزل. اليس العزل العنصري تعبير وجودي عن فصل انساني مأساوي، وجفاء فظيع وأثم رهيب؟ ولذلك أنا أحث الرجال ان يمتثلوا قرار 1954 للمحكمة العليا، لأنه أخلاقيا عادلا. ويمكنني أستحثهم لعصيان أوامر العزل العنصري لأنها أخلاقيا جائرة.

دعونا نأخذ مثالا صلبا للقوانين العادلة والجائرة. القانون الجائر هو تشريع بواسطته الأكثرية العددية أو القوية تُجبر مجموعة الأقلية للإمتثال ولكن الأكثرية لا تلتزم. هذا التمايز يصبح قانونيا. وبنفس المنطق، القانون العادل هو تشريع بواسطة الأكثرية تُجبرالأقلية للإمتثال والأكثرية تلتزم بالطاعة. هذه الشبهية تجعله قانونيا.

دعوني أعطي شرحا آخر. القانون جائر إذا طبق على أقلية وبالنتيجة تُحرم من حقها في التصويت، وليس لها دور في تشريع القانون. من يستطيع القول أن المجلس التشريعي لولاية الاباما الذي وضع قوانين العزل العنصري كان منتخبا بطريقة ديموقراطية؟ في كامل ولاية الاباما كل أصناف الأساليب الخداعية أستعملت لمنع الزنوج من القيد الانتخابي وفي كثير من المقاطعات والتي يشكل الزنوج فيها الأكثرية من السكان لم يسجل زنجيا واحدا. هل أي قانون يُشرع تحت مثل هذه الحالات يمكن إعتباره ديموقراطياً؟

أحيانا القانون عادلاً في ظاهره وجائرا في تطبيقه. مثال ذلك أنني أُعتقلت بتهمة المشاركة في المظاهرة بدون ترخيص. الآن لايوجد خطأ في وجود أمر يستدعي التصريح للمظاهرة. لكن مثل هذا الأمر يصبح غير عادلا عند استعماله لإستمرار العزل العنصري وحرمان المواطنين من امتياز التعديل الأول للتجمع والتظاهر السلمي.

أنني آمل انكم قادرون على رؤية الفرق الذي أحاول الإشارة له. أحاول أن أوضح تحت أي حالة أنا لا أؤيد التحايل أو تحدي القانون كما يفعل الممارس المسعور للعزل العنصري. لأن ذلك يقود الى الفوضوية. الشخص الذي يخالف القانون الظالم يجب أن يفعل ذلك في العلن وبحب وبقبول العقاب. أنا أقر أن الفرد المخالف للقانون والذي يملي عليه ضميره الظلم والذي بإرادته يقبل عقوبة السجن لكي يرفع مستوى الوعي في المجتمع بخصوص الظلم هو في الواقع تعبير عن أسمى إحترام للقانون.

وبالتأكيد لايوجد أي جديد من هذا النوع من العصيان المدني. كان واضحا جدا في رفض شارداش، ميشيل، وابدنيغو للإمتثال لقوانين نيبوشاندزار على أرضية أن القانون الأخلاقي الرفيع في خطر. كان يمارس بامتياز من قبل المسيحين القدامى الذين كانوا على استعداد لمواجهة الأسود الجائعة والألم الموجع من قطع الحجارة ولا الخضوع لقوانين معينة مجحفة للإمبراطورية الرومانية. الى درجة الحرية الاكاديمية هي اليوم حقيقة لأن سقراط مارس العصيان المدني. في رأينا حزب الشاي في بوسطن مثل عملا كبيرا للعصيان المدني.

ينبغي أن لاننسى إطلاقا أن كل شئ فعله أدولف هتلر في المانيا كان "قانونيا" وكل شئ المحاربون الهنجاريون للحرية فعلوه كان" غير قانونيا". لم يكن قانونيا أن تساعد وتحتضن اليهودي في المانيا هتلر. ورغم ذلك أنا واثقا لو كنت أعيش في المانيا في ذلك الوقت، لقمت بمساعدة وايواء أخواني اليهود. لو كنت اليوم أعيش في دولة شيوعية والتي تقمع بعض المبادئ العزيزة عند الأيمان المسيحي فسوف أدعم علنا عصيان قوانين الدولة التي ضد الدين.

يجب أن اقوم باعترافيين أمينيين لكم، أخواني المسيحيون واليهود. أولا يجب أن أعترف أنه خلال السنوات القليلة الماضية كنت محبطا بشكل خطير من البيض المعتدلين. لقد بلغت تقريبا الإستنتاج المؤسف بان الحجرة العثرة الكبيرة للزنجي في تقدمه باتجاه الحرية ليس عضو المواطنين البيض أو كوكو كلانير ولكن الأبيض المعتدل، المخلص الأكثر "للنظام" من العدالة، والذي يُفضل السلام السلبي والذي يعني غياب التوتر عوضا عن السلام الإيجابي والذي يعني وجود العدالة، الذي يردد باستمرار" أنا أتفق معكم في هدفكم المنشود ولكن لا أستطيع الموافقة على أساليبكم في العمل المباشر"، والذي يؤمن بطريقة أبوية أنه يستطيع وضع جدولا زمنيا لحرية الرجل الآخر، الذي يعيش بمفهوم أسطوري للوقت والذي دائما ينصح الزنجي بالإنتظار " لموسم أكثر ملاءمة". فهم سطحي من أناس بنية طيبة يُحبط أكثر من فهم مطلق لأناس بنية مريضة. قبول فاتر أكثر إرباكا من رفض تام.

كنت آمل من البيض المعتدلين أن يفهموا أن القانون والنظام يوجدان لغرض إقامة العدالة وعندما يفشلا في هذا الغرض يصبحا سدودا منظمة خطيرة ويعيقا تقدم التطور الإجتماعي. لقد تمنيت على البيض المعتدلين أن يعوا أن التوتر الجاري في الجنوب هو مرحلة ضرورية للإنتقال من السلام السلبي البغيض، والذي يقبل فيه الزنجي بشكل سلبي بورطته الظالمة، الى مرحلة سلم حقيقية وإيجابية، يحترم فيه الجميع كرامة وقيمة الشحصية البشرية. واقعا نحن الذين شاركنا في العمل المباشر اللاعنفي لسنا من أوجدنا التوتر. نحن فقط أبرزنا الى السطح التوتر الحي مسبقا والمستور. ابرزناه للعلن لرؤيته والتعاطي معه. مثل الدملة التي لايمكن معاجتها إطلاقا مادامت لا تُرى حتى تبرز مع قبحها الى العلاج الطبيعي تحت النور والهواء، الظالم يجب إبرازه مع كامل التوتر المصاحب الى نور الضمير الإنساني والى هواء الرأي الوطني قبل التمكن من علاجه.

في البيان أكدتم بأن أفعالنا رغم سلميتها، يستوجب شجبها لأنها تولد العنف. لكن هل هذا توكيد منطقي؟ اليس ذلك كما شجب الرجل المسروق لأنه يحمل نقودا أنتجت الفعل الشيطاني للسرقة. أليس ذلك كما إدانة سقراط لالتزامه الثابت بالحقيقة وتساؤلاته الفلسفية التي عجلت الفعل للرعاع بأن يشرب السم؟ اليس ذلك كما إدانة عيسى لوعيه الرباني المميز وعدم توقف أخلاصه لإرادة لله عجلت العمل الشيطاني لصلبه؟ يجب ان نعلم كما أكدت دائما المحاكم الفدرالية، إن من الخطأ الطلب من الشخص وقف جهوده لنيل حقوقه الدستورية لأن الطلب قد ينتج عنفا. المجتمع يجب عليه أن يحمي المسروق ويعاقب السارق.

أنا كذلك تمنيت أن البيض المعتدلين يرفضون الخرافة فيما يخص التوقيت بالعلاقة الى النضال من أجل الحرية. للتو استلمت رسالة من أخ أبيض من تكساس. لقد كتب: كافة المسيحين يعرفون أن الملونين سوف يحصلون أخيرا على حقوق متساوية، لكن من المحتمل أنك في استعجال ديني كبير. المسيحية أخذت تقريبا الفين عام لتنجز ماأنجزت. تعاليم المسيح أخذت وقتا لتصل الى الأرض. مثل هذا الموقف ينشأ من سوء الفهم المأساوي للوقت، من الفكرة العقلية الغريبة بأن هناك شيئا ما فى مجرى الوقت ذاته سوف حتما سيعالج كل الأمراض. في الواقع أن الوقت ذاته محايدا، ويمكن استعماله للهدم أو البناء. أكثر وأكثر أشعر ان الناس المرضى يستخدمون الوقت أكثر فاعلية كثيرا من الناس ذوو النوايا الحسنة. نحن يستوجب علينا ان نندم في هذا الجيل ليس فقط لأجل كلمات الكراهية وأعمال الناس السيئين ولكن للصمت الرهيب من قبل الناس الجيدين. التقدم البشري لايجري على دواليب الحتمية، انه يأتي من خلال الجهود الحثيثة لرجال يرغبون أن يكونوا خداما لله وبدون هذا العمل الشاق يصبح الوقت ذاته حليف لقوى الجمود الإجتماعي. علينا أن نستغل الوقت بشكل خلاق، بالمعرفة أن الوقت دائما مؤات للعمل السليم. حان الوقت لنصنع حقيقة الوعد الديموقراطي ونحول المرثية الوطنية المعلقة الى نشيد خلاق للأخوة. الآن الوقت المناسب لنرفع سياستنا الوطنية من الرمال المتحركة من الظلم العنصري الى الصخور الصلبة للكرامة الإنسانية.

أنتم تتحدثون عن نشاطنا في برمنجهام كتطرف. في البداية كنت محبطاً أن زملائي رجال الدين يعتبرون جهودي اللاعنفية مشابهة لأعمال المتطرفين. وبدأت أفكر عن الحقيقة أنني أقف بين قوتين متعاكستين في الوسسط الزنجي. واحدة من القوى هي الرضا، وتتشكل جزئيا من الزنوج الذين وبسبب السنين الطويلة من القمع أصبحوا مجففين من أحترام الذات والإحساس ب " الشخصية" لأنهم تأقلموا مع الفصل العنصري، وقسما من الزنوج من الطبقة الوسطى لجهة الأمن الأكاديمي والإقتصادي الى درجة وبسبب أحيانا الإستفادة من الفصل العنصري أصبحوا لا يشعرون بمشاكل الأغلبية. والقوة الأخرى هي قوة المرارة والكراهية وقاربت تشجيع العنف بشكل بالغ الخطورة. ويتم التعبير عنها في مختلف التجمعات الوطنية للسود وتنتشر عبر البلاد، الأكبر والأكثر شهرة الحركة الإسلامية للاليجا محمد. مدعومة بإحباط الزنوج من وجود التمييز العنصري المستمر. هذه الحركة تتكون من أناس فقدوا ثقتهم بأمريكا التي تنكرت للمسيحية، والتي قررت أن الرجل الأبيض "شيطان" مريد.

لقد حاولت أن أقف بين هاتين القوتين قائلا علينا ان لانحاكي" افعل لاشئ" للراضين ولا الكراهية للوطنيين السود اليائسين. لأجل وجود طريقة أكثر جودة من الحب والإحتجاج السلمي. أشكر الله ومن خلال تأثير كنيسة الزنوج، منهجية اللاعنف أمست جزءاً تاماً من نضالنا.

ولو لم تبرز هذه الفلسفة فإنني على قناعة بأن الشوارع في الجنوب سالت بالدماء. وأنا على قناعة أكبر لو أن أخواننا البيض تركوا امثال" مثيرون دهماء" و" محرضون خوارج" نحن من استخدمنا العمل المباشر اللاعنفي، ولو أنهم رفضوا دعم جهودنا السلمية، ملايين من الزنوج نتيجة الإحباط واليأس سوف يبحثون عن العزاء والأمن في ايدولوجيات الوطنيين السود، وهو تطور حتما سيقود الى كابوس عنصري فظيع.

الشعب المضطهد لا يمكن أن يبقى مضطهدا الى الأبد. اللهفة للحرية تكشف في النهاية عن ذاتها، وهذا ماحدث للزنوج الامريكيين. شيئا ما بداخله ذكره بحريته المكتسبة منذ الولادة، وشيئا اخر ذكره بمقدوره نيل الحرية. شعوريا أو لا شعوريا لقد تعلق بروح العصر، وبإخوانه السود من أفريقيا، والسمر والصفر من آسيا، جنوب أمريكا والكاريبي، زنوج الولايات المتحدة يتقدمون بالشعور بعجلة ملحة نحو الأرض الموعودة بالعدالة العرقية. اذا المرء تفهم الالحاح الحيوي الذي ابتلع المجتمع الزنجي، يُفترض أن يفهم بسهولة لماذا حدوث المظاهرات العامة. الزنجي لديه إستياء مكبوت واحباط مستتر ويجب تفريغها. ولذلك دعوه يتظاهر ويقوم بحج صلواتي الى مبنى البلدية. إتركوه يذهب لسياحة حرة وحاولوا أن تفهموا لماذا هو يجب عليه فعل ذلك. اذا انفعالاته المكبوته لم تُفرغ بوسائل سلمية سيتم التعبير عنها بوسائل العنف، وهذا ليس تهديدا ولكن حقيقة تاريخية. ولذلك أنا لم أخاطب جمهوري " تخلص من سخطك" بل بالعكس حاولت أن أقول ذلك الاستياء الصحي والطبيعي يستدعي توجيهه الى مصب خلاق بفعل مباشر لا عنفي. والآن هذه المقاربة تسمى تطرفاً.

وعلى الرغم أني مبدئيا كنت محبطا بتصنيفي كمتطرف، مع استمراري بالتفكير في القضية بالتدريج حصلت على مقدار من الرضا من هذا التصنيف. ألم يكن عيسى متطرفا للحب: أحب أعدائك، وبارك لهم شتيمتك، إعمل الخير لمن يكرهوك، وادعوا لهم الذين يزدروك ويضطهدوك. الم يكن اموس متطرفا لأجل العدالة" دع العدالة تتدحرج مثل الماء، والإنصاف كنهر دائم التدفق". ألم يكن الحواري بول متطرفا للانجيل المسيحي" أنا أحمل في جسدي علامات المسيح عيسى". ألم يكن مارتن لوثر متطرفا: " هنا أقف لا يمكن أفعل غير ذلك، ساعدني ياالله" وجون بونيون: " سوف أمكث في السجن الى آخر أيامي قبل أن أذبح ضميري. " والى ابراهيم لينكولن: " هذا الوطن لا يمكن أن يستمر نصف عبيد ونصف أحرار". والى توماس جيفرسون: " نحن نمسك الحقائق لتكون دليلا بديهيا على أن كل الرجال خُلقوا متساوون".... " إذن السؤال ليس هل نحن متطرفون، ولكن من أي نوع من المتطرفين سنكون. هل متطرفون للكراهية أو للحب؟ هل متطرفون للحفاظ على الظلم أو لتوسيع العدالة؟ في ذلك المنظر الدرماتيكي على هضبة كالفري ثلاثة من الرجال صُلبوا. يجب أن لا تتسى بتاتا كل الثلاثة صُلبوا لذات الجريمة - جريمة التطرف. إثنان متطرفان لسوء السلوك ولذلك سقطوا أدنى من بيئتهم. والآخر المسيح عيسى كان متطرف لأجل الحب، الحقيقة والخير، ولذلك إرتفع فوق بيئته. من المحتمل الجنوب، الوطن والعالم في حاجة ماسة للتطرف الخلاق.

كنت قد تمنيت على البيض المعتدلين أن يدركوا هذه الضرورة. لربما كنت مفرطا في التفاؤل ولربما بالغت في التوقعات. أتصور كان ينبغي أن أًدرك أن الأعضاء القليلين من العرق المستبد بإمكانه أن يفهم الآهات العميقة والحنين الملتهب للعرق المقموع، ولا يزال الأقل يمتلك الرؤية ليفهم أن الظلم لابد أن يُقتلع بالعمل القوي والصامد والمصمم. أنني أشكر في كل الأحوال بعض إخوتنا البيض في الجنوب الذين أدركوا معنى الثورة الإجتماعية وكرسوا أنفسهم من أجلها. لم يزالوا قليلون في العدد، ولكنهم كبار في القيمة. البعض من أمثال - رالف مقيل، ليليان سميث، هاري جولدن، جيمس مكبرايد دابس، آن برادن، وسارة باتون بويل هؤلاء كتبوا عن كفاحنا بتعبيرات بليغة وتنبؤية. وآخرون تظاهروا معنا في شوارع الجنوب. لقد خارت قواهم في سجون قذرة ومجتاحة بالصراصير، وعانوا سوء المعاملة ووحشية رجال الشرطة الذين يرونهم " محبوا للزنوج القذرين". وعلى العكس من كثير من إخوانهم وأخواتهم البيض المعتدلين لقد أدركوا إلحاحية اللحظة وشعروا ضرورة الدواء القوي " للعمل" على مكافحة مرض الفصل العنصري.

دعوني أستعرض أهم الإحباطات الأخرى. كنت محبط على درجة عالية من كنيسة البيض وقيادتها. بالطبع يوجد استثناءات، أنا أعرف الحقيقة أن كل واحد منكم إتخذ موقفا مهما من القضية. أنا شاكر لذلك، القس ستالنج لموقفك المسيحي في الأحد الفائت في الترحيب بالزنوج في مراسيم العبادة على قاعدة عدم الفصل العنصري. أشكر القيادة الكاثوليكية لهذه الولاية لجهة الدمج في كلية سبرينغ هيل من عدة سنين.

ولكن على الرغم من هذه الإستثناءات المهمة، يجب أن أكرر بصدق أنني قد خاب أملي بالكنيسة. لا أقول ذلك انطلاقا من النقد السلبي الذي يستطيع دائما أن يعثر على خطأ في الكنيسة. أقول ذلك وأنا واعظ في الإنجيل ومحب للكنيسة من الذين ترعرعوا في كنفها والذي أستمر بفضل بركاتها الروحية والذي سيبقى مخلصا لها طالما استمر حبل الحياة.

لما فجأة رُميت في القيادة في أحتجاج الأتوبيس في مونتغمري/الاباما منذ سنوات شعرت أننا سنكون مدعومون من كنيسة البيض. شعرت أن القساوسة البيض والأحبار في الجنوب سيكونون من أقوى الحلفاء. وعلى النقيض البعض أصبح خصما تاما يرفض تفهم الحركة من أجل الحرية ويشوه قيادتها، وكثير آخرون كانوا أكثر حذرا من شجعان وظلوا صامتون وراء أمنا اصطناعيا من نوافذ زجاجية ملطخة.

على الرغم من أحلامي المبعثرة، قدمت الى برمنجهام على أمل أن القيادة الدينية البيضاء لهذا المجتمع سترى عدالة قضيتنا وباهتمام أخلاقي عميق سوف تكون قناة من خلالها تصل ظلاماتنا المحقة الى مؤسسة السلطة. كنت أتمنى من كل واحد منكم أن يتفهم، ولكن مرة أخرى أُصبت بخيبة أمل.

لقد سمعت أن عددا من القادة الدينيين الجنوبيين ينصحوا المصلين للإلتزام بقرار الفصل العنصري لأنه قانونياً. غير أني سمعت طويلا القساوسة البيض يعلنون" إتبعوا هذا الأمر لأن الإندماج أخلاقيا صحيحا ولأن الزنجي هو أخوك". وفي خضم الجور السافر الذي يتعرض له الزنوج، شاهدت رجال الكنيسة البيض يقفون على الخط الجانبي ويتفوهون بتفاهات دينية نفاقية في غير محلها. وفي وسط نضال عظيم لتخليص وطننا من الظلم العرقي والإقتصادي، سمعت كثير من القساوسة يتحدثون" تلكم قضايا اجتماعية، ليست من إهتمامات الإنجيل الحقيقية". وشاهدت عدة كنائس يكرسون أنفسهم الى دين أُخروي تماما وليصنع تمييز غريب وغير إنجيلي بين الجسد والروح، بين المقدس والعلماني.

سافرت في طول وعرض الاباما، ميسيسبي، وجميع الولايات الجنوبية. في أيام صيف قائضة وفي صباحات خريف قاسية وشاهدت كنائس الجنوب الجميلة بقممها السامقة تشير نحو السماء. ولمحت التخوم المثيرة للإعجاب لمباني التعليم الديني الضخمة. تارة وتارة إكتشفت نفسي متسائلا" مانوع عبادة الناس هنا؟ من ربهم؟ أين كانت أصواتهم لما كانت شفتا الحاكم بارنت تقطر بكلمات التطفل والإلغاء؟ أين أصواتهم المساندة عندما رجال ونساء الزنوج المنهكين والمسحوقين قرروا النهوض من زنزانات الرضا المظلمة الى المرتفعات المضيئة من الإحتجاجات الخلاقة؟ ".

نعم، كل هذه الأسئلة لم تبرح عقلي. في عمق خيبة الأمل بكيت إهمال الكنيسة. لكن تأكدوا أن دموعي كانت دموع الحب. لايوجد خيبة عميقة اذا لم يوجد حب عميق. نعم أنا أحب الكنيسة. كيف أعمل غير ذلك؟ أنا في موقع متميز لكوني إبن والحفيد والحفيد الأعظم للوعاظ. نعم أنا أرى الكنيسة تجسيدا للمسيح. لكن أوه! كيف نحن شوهنا وجرحنا الجسد من خلال التجاهل الإجتماعي ومن خلال الخوف من ان نكون منشقين.

كان هناك زمان لما كانت الكنيسة قوية جدا - في ذلك الزمان لما كان المسيحيون السابقون يبتهجون لما يعتبرونه جديرا بالمعناة لما يعتقدوا. في تلك الأيام الكنيسة لم تكن فقط ثرموميتر لتسجيل الأفكار ومبادئ الرأي الشعبي، كانت ثرموستات لتغيير أعراف المجتمع. في كل مرة يدخل المسيحيون بلدا، الماسكون بزمام السلطة ينزعجون وفورا يبحثون عن إتهام المسيحيين بأنهم" مشوشوا السلام" و" محرضون خوارج". ولكن أصر المسيحيون على قناعتهم بأنهم " جالية من السماء" نادت بطاعة الله وليس الإنسان. قليلون في العدد، كانوا كبار في الإلتزام. كانوا ثملين جدا بالله ليكونوا " خائفون جدا" بجهدهم ومثاليتهم أنهوا الشرور القديمة مثل قتل الأطفال ومسابقات المصارعة.

الأمور إختلفت الآن. في أغلب الأحيان الكنيسة المعاصرة ضعيفة، وصوت غير فعال متشكك. وغالبا مدافعة عن الوضع الراهن، بعيدة جدا ان تكون منزعجة من وجود الكنيسة، مؤسسة السلطة للمجتمع المتوسط تواسى بصمت الكنسيسة، وغالبا حتى بالحظر اللفظي للأشياء كما هي.

لكن قضاء الله على الكنيسة ليس كما مامضى. اذا الكنيسة اليوم لم تعيد الإمساك بالروح التضحوية كما الكنيسة قديما، سوف تخسر مصداقيتها وتفقد ولاء الملايين وستؤول كنادي اجتماعي تافه لا معنى له في القرن العشرين. فى كل يوم التقي شبابا خيبتهم بالكنيسة تحولت الى إشمئزاز تام.

من المحتمل مرة أخرى أنني مفرط في التفاؤل. هل الدين المنظم لامفرمتجه الى الوضع الراهن لحماية وطننا والعالم؟ ربما يجب علي ان أحول إيماني نحو الكنيسة الروحية الجوانية، الكنيسة داخل الكنيسة، مثل ايكليسيا الحقيقية وامل العالم. لكن مرة أخرى أشكر الرب بأن بعض الأرواح النبيلة من الصفوف الدينية المنظمة إنفلتت من سلاسل الإلتزام المكبلة والتحقت بنا كشركاء فاعلين في النضال من اجل الحرية. لقد تركوا تجمعهم الآمن وتظاهروا معنا في شوارع الباني/ جورجيا. ذهبوا الى الطرق السريعة في الجنوب في طرق متعرجة لأجل الحرية. نعم لقد ذهبوا الى السجن معنا، وتم فصل بعضهم من الكنيسة وخسروا الدعم من زملائهم المطران والقساوسة. ولكنهم تصرفوا بموجب الإيمان أن الحق مهزوم أقوى من الشر منتصرا. كانت شهادتهم الملح الروحي التي حافظت على المعنى الحقيقي للإنجيل في تلك الأوقات العصيبة. هم نحتوا نفقاً من الأمل في وسط جبل مظلم من الإحباط.

أتمنى على الكنيسة ككل أن تواجه التحديات في هذه الساعة الحاسمة. ولكن حتى لو أن الكنيسة لم تلتحق بدعم العدالة، فأنني لست يائساً من المستقبل. لست خائفا من نتائج نضالنا في برمنجهام حتى وان كانت دوافعنا حاليا غير مفهومة. إننا سنبلغ هدف الحرية في برمنجهام وفي كامل الوطن، لسبب أن هدف أمريكا هي الحرية. لربما نحن مظلومون ومحتقرون، لكن مصيرنا مرتبط بمصير أمريكا. قبل هبوط المهاجرين في بلموث، كنا هنا. قبل قلم جفرسون يحفر الكلمات الفخمة لإعلان الإستقلال في صفحات التاريخ، نحن هنا. قبل أكثر من قرنين أسلافنا إشتغلوا في هذا البلد بدون أجور؛ صنعوا القطن، بنوا البيوت لأسيادهم في ظل ظلم كامل واحتقار معيب ومع ذلك إنطلاقا من نشاط عظيم واصلوا الإزدهار والتنمية. اذا وحشية لا توصف من الإستعباد لم تتمكن من إيقافنا، المقاومة التي نواجه حاليا ستفشل يقينا. سوف نظفر بحريتنا لأن الميراث المقدس لوطننا والإرادة الأبدية لله مطوية في مطالبنا المتكررة.

قبل الختام أشعر أنني مضطر لذكر نقطة أخرى في البيان طالما أرقتني عميقا. أنتم شكرتم بحرارة قوة الشرطة في برمنجهام لمحافظتها على "النظام" و" منعها العنف" أنني مرتاب من أنكم ستمدحون قوات الشرطة لو شاهدتم كلابهم تغرز أسنانها في زنوج عزل وسلميين. أنني أشك انكم بهذه العجالة ستشكرون الشرطة لو رأيتم معاملتهم الفجة واللاإنسانية للزنوج هنا في سجن المدينة، لو عاينتموهم يدفعون ويشتمون نساء الزنوج الكبار وبنات الزنوج الشابات؛ لو رأيتموهم يصفعون ويركلون رجال الزنوج كبار السن والصبية الصغار؛ لو شاهدتم مافعلوا في مناسبتين، رفضوا أن يعطونا طعاما لأننا رغبنا أن نغني مجتمعين. لا يمكنني موافقتكم في الثناء على دائرة الشرطة في برمنجهام.

في الحقيقة أن الشرطة مارست درجة من الإنضباط في التعامل مع المظاهرات. في هذا الجانب مارسوا " عدم العنف" في العلن. لكن ماهو الغرض؟ لإبقاء النظام الشرير للفصل العنصري. خلال السنوات المنصرمة كنت باستمرار أعظ بأن المطالب السلمية والوسائل التي نستعملها يجب أن تكون نظيفة مثل النهايات التي نبحث عنها. حاولت أن أوضح بأنه من الخطأ أستعمال وسائل لا أخلاقية للحصول على نهايات أخلاقية. ولكن حاليا أؤكد ان كذلك من الخطأ أو لربما أعظم استخدام وسائل أخلاقية لحماية نهايات لاأخلاقية. من المحتمل السيد كونور ورجاله من الشرطة كانوا سلميون في العلن كما هو الرئيس برايتشيت في الباني/جورجيا ولكنهم استخدموا طرق أخلاقية لاعنفية للحصول على نهاية لا أخلاقية من الظلم العنصري. مثل ماقال ت. س. اليوت " الإغراء النهائي أعظم خيانة: أن تفعل الصواب من أجل السبب الخطأ".

تمنيت لو أن مدحتم المعتصمين الزنوج والمتظاهرين في برمنجهام لشجاعتهم الرفيعة، وارادتهم على المعاناة وانضباطهم المدهش في وسط استفزاز هائل. يوما ما، الجنوب سيتعرف على أبطاله الحقيقيين. سيكون هناك جيمس ميريدث، بشعور نبيل للغرض لكي يمكنهم من مواجهة الغوغاء الساخرين والعدوانيين، وبشعور الوحدة المؤذي الذي صاحب حياة الرواد. سيكون هناك المرأة الزنجية المسنة والمقموعة والمعذبة، مجسدة في المرأة ذات الإثنين والسبعين عاما من العمر في مونتجمري/ الاباما، التي وقفت بشعور الكرامة وبالناس الذين قرروا لا يركبون الباصات التي تمارس الفصل العنصري، الذين استجابوا بتفكير كبير للمرأة التي تساءلت عن تعبها " قدماي متعبة، لكن روحي في راحة". سيتواجد طلاب الثانوية الشباب وطلبة الجامعة، القساوسة الشبان من الكنيسة ومضيف لكبار السن، بشجاعة وبدون عنف يجلسون على طاولات الغداء وبإرادتهم يذهبون للسجن من أجل الضمير. في يوم ما سيعرف الجنوب عندما هؤلاء الأطفال جلسوا على منضدة الغداء، كانوا في الحقيقة يدافعون عن ماهو أفضل في الحلم الأمريكي وعن أقدس القيم في تراثنا اليهودي المسيحي، وبهذا يعيدوا وطننا الى تلك الينابيع العظيمة للديموقراطية والتي حُفرت عميقا بواسطة الآباء المؤسسين عبر تأسيس الدستور وإعلان الإستقلال.

لم أكتب من قبل رسالة بهذا الطول إطلاقاً. أنني متوجس أنها طويلة جدا وتأخذ من وقتكم الثمين. أنني أُؤكد لكم كانت ستكون أقصر كثيرا لو أنني أكتبها من على طاولة مريحة، لكن ماذا يُمكن للمرء أن يفعل عندما يكون وحيدا في خلية سجن ضيقة، غير كتابة رسائل مطولة، يفكر أفكارا طويلة ويصلي صلوات طويلة؟

أن قلت أي شئ في هذه الرسالة يبالغ في الحقيقة ويؤشر على عدم صبر معقول، فإنني أرجوكم أن تسامحوني. اذا ذكرت أي شئ يبسط الحقيقة ويدل على صبري الذي يسمح لي لتوطيد اي شئ أقل من الأخوة، أدعوا الله أن يغفر لي.

أتمنى هذه الرسالة تجدكم أقوياء في إيمانكم. أيضا أتمنى تصبح الظروف مؤاتية قريبا لمقابلة كل شخص، ليس كموحد أو قائد حقوق مدنية بل كرجل دين زميل وأخ مسيحي. دعونا جميعا نتفاءل أن السحابة السوداء للتفرقة العنصرية قريبا ستعبر بعيدا وان الضباب الكثيف لسوء الفهم سيرتفع من مجتمعنا المملوء خوفا، وفي غد قريب تشع نجوم المحبة والأخوة المضيئة على وطننا العظيم بكامل جمالها المتألق.

أخوكم لأجل السلام والأخوة

مارتن لوثر كنج

[1]  رابط النص الأنكليزي الأصلي :
http://mlk-kpp01.stanford.edu/index.php/resources/article/annotated_letter_from_birmingham


[2]  مارتن لوثر : http://ar.wikipedia.org
ولد في 15 يناير عام 1929 - وتوفي في 4 أبريل 1968). زعيم أمريكي من أصول إفريقية، قس وناشط سياسي إنساني، من المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد بني جلدته، في عام 1964 م حصل على جائزة نوبل للسلام، وكان أصغر من يحوز عليها. اغتيل في الرابع من نيسان/أبريل عام 1968، اعتبر مارتن لوثر كنج من أهم الشخصيات التي دعت إلى الحريه وحقوق الإنسان

[3]  كاتب وناشط/ الخبر.
وهذا النص المترجم استجابة لمقال الكاتب القدير الأستاذ/ بدر الشبيب. رابط المقال:
http://www.juhaina.org/index.php?act=artc&id=2027
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبد الله محمد
[ السعودية - القطيف ]: 13 / 5 / 2012م - 7:10 ص
شكرا جزيلا للأستاذ مطر النجيدي على هذه المقالة المترجمة الرائعة .. أهم ما يمكن أن نستفيده منها .. أن الذين يعيشون في ظروف مشابهه ، يحتاجون لمعرفة أحداث التاريخ و ما جرى على الشعوب المضطهدة ، لكي يتعلموا سبل الخلاص و أن لا يقعوا ف ذات الأخطاء .. القيادة مهمة جدا للتحرك الشعبي .. علينا أن نصنع قيادة مؤثرة ، لا أن نحاصر قياداتنا الناشئة المخلصة .. رجال الدين و رجال الفكر عليهم أن يقوموا بدورهم .. أو يغادروا .. الطاقات الشابة قادرة على التغيير بكفاءة أعظم .. لكن لا يجوز أن تسرق الثمرات .. هذا الزمن هو زمن التغيير الحقيقي الشامل ، و علينا انتهاز الفرص بإخلاص وطني .. و الشكر البالغ مرة أخرى للأستاذ مطر على المقالة الرائعة .