آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 10:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

مآسي العرب الراهنة

محمد المحفوظ * صحيفة الرياض

تدفعنا الأحداث وعمليات القتل اليومي التي تجري في أكثر من بلد عربي وإسلامي، إلى القناعة التامة، اننا جميعا كعرب نعيش محنة معقدة ومركبة، وما يجري من عمليات قتل وتخوين وتعبئة وتعبئة مضادة، ما هو إلى رأس الجبل في هذه المحنة التي نعيشها على أكثر من صعيد.

ويبدو أن الرهان على المعادلة الدولية في معالجة الأزمة وإرجاع الحق إلى أصحابه ومعاقبة المعتدين والمجرمين أصبح من الرهانات الخاسرة والتي لا تؤدي إلا إلى المزيد من القتل والذبح في أكثر من موقع عربي.

لهذا فإن السؤال الذي يطرح في هذا المجال هو: متى يخرج العرب من محنتهم؟ كما يبدو أن البداية الفعلية لخروج العرب من المحنة الراهنة، هو الخروج من المعادلة الدولية وعدم المراهنة التامة على النظام الدولي في معالجة الأزمات.. لأننا نرى أن تمادي المتغطرسين والطغاة في هجومهم الوحشي على الأبرياء يتم ويستمر مستفيدا من المعادلة الدولية التي وكما يبدو تعطي للقائمين على الأمر الضوء الأخضر في القتل والتدمير.

والخروج من المعادلة الدولية، لا يعني عدم النشاط السياسي المتجه إلى حلحلة الأمور أو توفير المظلة السياسية والواقع السياسي الدافع إلى إنهاء الأزمة وإيقاف عمليات القتل والتدمير ومعاقبة المجرمين.. وإنما نحن نقصد بالخروج من المعادلة الدولية: عدم التعويل التام على الخطط الدولية في إنهاء الأزمة، لأن هذه الخطط تنظر بالدرجة الأولى إلى مصالحها السياسية والاقتصادية.. لذلك فليس دائما أن تنسجم مصالح الدول الكبرى مع مقتضيات الحل العادل لأزمات الواقع العربي، وينبغي ألا تفوتنا حقيقة أساسية وتعتبر من أبجديات السياسة وهي أن حقائق الواقع هي التي تعطي للمناورات والمفاوضات السياسية ثقلا حقيقيا.

ولا بد أن يتم التعويل على هذه الحقائق على الأرض ونبدأ استنادا على هذه الحقائق من تدويل خياراتنا السياسية المنسجمة وطبيعة نظرتنا إلى حل الأزمة.. ولهذا تعرف السياسة كممارسة بوصفها «فن الإكراه».

والشيء الآخر الذي ينبغي تأكيده في هذا المجال هو: أن العالم الإسلامي يشكل العمق الاستراتيجي للعرب لهذا فإن العالم الإسلامي بدوله ومؤسساته الرسمية والشعبية يتحمل مسؤولية عظيمة في الدفاع عن حقوق الشعوب العربية المضطهدة.

ومحنة العرب في أكثر من موقع، لا تنتهي بتقديم المساعدات المالية والخدمية مع أهمية هذه المساعدات ودورها في إيواء اللاجئين والمشردين وتوفير ضرورات حياتهم، وإنما نحن بحاجة أن نطور مفهوم المساعدات ونجعله يتضمن المشروع السياسي المشترك الذي يتجه إلى إنهاء المحنة بأسرع وقت ممكن وبطريقة تضمن حقوق هذه الشعوب المضطهدة.

لهذا فإن استمرار العالم الإسلامي صامتا على مستوى الفعل السياسي الدولي أمام هذه الحقائق والوقائع يعد تقصيرا حقيقيا وعدم إدراك جوهري لمفهوم أن العالم الإسلامي يشكل العمق الاستراتيجي للدول العربية بأسرها.

فالعالم الإسلامي عبر مؤسساته المختلفة مطالب بتوفير ذلك المشروع السياسي، الذي يتجه إلى إخراج المحنة من المعادلات الدولية والمراهنة على بناء القوة الذاتية.

إن المحنة العربية تنتهي حينما يبدأ العالم الإسلامي بجدية في النظر إلى التداعيات الخطيرة من جراء أحداث المنطقة.

إن بإمكان العالم الإسلامي أن يستخدم الكثير من الأسلحة السياسية والاقتصادية التي تؤثر بشكل مباشر في طبيعة تعامل المجتمع الدولي مع أزمات العرب الراهنة.

وإن فشل المجتمع الدولي في توفير الحل العادل لأزمات العرب يحمل العالم الإسلامي بمؤسساته الرسمية والشعبية المسؤولية التاريخية في استمرار هذه الأزمة.. لأن العالم الإسلامي وبما يمتلك من مواقع استراتيحية وثروات طبيعية وعلاقات دولية قادر على أن يمارس دورا أكثر فعالية في هذا الصدد.

وإن استمرار العالم الإسلامي بالمراهنة على الخيار الدولي، هو الذي يعطل هذه الإمكانات ويمنع توظيفها بشكل مناسب في أزمات الواقع العربي.. ولابد من القول ان المراهنة على الحل الدولي ليس خطأ مطلقا، وإنما هو بحاجة إلى توفر الشروط الذاتية والموضوعية التي تدفع بالخيار الدولي إلى التحرك الجدي في إنهاء الأزمات.

وبإمكاننا أن نختصر هذه الشروط في قدرة العالم الإسلامي على صنع وقائع وحقائق سياسية واقتصادية في العالم تكره وترغم الجميع على الأخذ بعين الاعتبار بتصورات العالم الإسلامي في إنهاء الأزمات، ودون ذلك ستستمر الأزمات ويستمر القتل الهمجي بحق الأبرياء تحت مرأى ومسمع من المجتمع الدولي بأسره.

إن محنة العرب المعاصرة تعلمنا الكثير من الدروس والعبر ولعل من أهمها ضرورة اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب للانطلاق في إنجاز التطلعات، وذلك لا يكفي أن يكون تطلعك حقا، إنما لابد له من قوة تسنده وقدرة سياسية فائقة وحسن تدبير وحكمة لاختيار الزمان والمكان المناسبين للانطلاق في مشروع الاستقلال وبناء الواقع العربي على أسس صحيحة من الاستقلال والسيادة وحرية الشعوب في تشكيل مستقبلها ومصيرها..

كاتب وباحث سعودي «سيهات».