آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 8:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

المعالم الحضارية «2»

باقر علي الشماسي *

سبق أن كتبت في مجلة «الخط» الغراء عن المعالم الحضارية بمنطقة القطيف، والتي يرأس تحريرها الكاتب والناشط الاجتماعي الأستاذ فؤاد نصر الله، في عددها الرابع عشر السنة الثانية.

وقد تناولت في جزئيات المقال «القلعة» وشمل بعض المعالم الحضارية لمنطقة القطيف كالغابات من بساتين النخيل والأشجار المتنوعة الثمار والورود والأزهار والعيون النباعة المذهلة هندسياً، وكذلك شطئان القطيف الجميلة الخلابة من شرق سيهات حتى شرق صفوى..

لقد شاهدت في طفولتي وشبابي أمواجا متراقصة لعوب أمام جذايل النخيل الخضراء المتدلية من هاماتها السامقة التي تناطح الغمام وسحر شماريخها وعناقيدها، وكأنها تغازل بعضها بعضاً وكان البحر بقرب القلعة بأمتار قليلة شرقاً حتى محيطها الشمالي والغربي بدءاً ببستان الشماسية ثم نخل «البستان» وبستان الوسادة، وبستان باب الساب.. والتي أصبحت اليوم تلك الغابات من البساتين المحيطة بالقلعة، وحي باب الشمال وحي الجراري المشهور بصناعة الفخار وتحويلها إلى أواني متنوعة وبفن بلدي راق، وكلها للشرب. نجدها اليوم كلها يبابا بلقع، بالنسبة للغابات والعيون النباعة «وهي الراضعة والحاضنة الرؤم لتلكم الغابات، وكذلك الشواطئ والبحار التي كانت الخازنة للثروات السمكية والربيان الهائلة واللؤلؤ، إذ تحولت من دلالات حضارية مادية شامخة إلى أحياء، يسكنها مواطنون.

ونحن هنا نؤيد هذا الامتداد العمراني ولا نتحفظ عليه، حيث تنامى سكان المنطقة إلى أضعاف مضاعفة، إذن أين يذهبون، وينامون لو لم تتوسع رقعة الامتداد العمراني؟ وإنما الذي جعلنا ضد ذلك الامتداد والتوسع، لكونه جعلوه يزحف على المعالم الحضارية شرقاً بدلاً من أن يكون التوسع غرباً، ولكن ينبغي أن لا نبكي على اللبن المسكوب، وإنما هو من باب التذكير للأجيال الحاضرة والقادمة وللتاريخ أيضاً، إذ أنه نشهد اليوم تنامياً توعوياً بين شبابنا الناهض.

لذلك يحق لهم أن يطرحوا أسئلة تتمحور حول تلك المعالم، لماذا دمرت؟ وبأية ذريعة؟ وبأي مبرر علمي ومنطقي حضاري؟ حيث تجلت أمامنا مشاهد جديدة تتشكل في كوكبات عديدة من الشباب المتعلم والأكاديمي والمثقف الواعي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعلمياً بمختلف المستويات؟ ويبدو أن في غالبيته شباباً واعداً ويدركون تماماً مدى عمق الخسارة الجسيمة التي لا تقدر بثمن وهي دفن معالمهم الحضارية، كما ويدركون مدى هشاشة تلك العقول التي خططت وهندست التوسع العمراني على حساب دفن تلكم المعالم التي يرجع تاريخها إلى الالآف السنين: بل ربما يبدو أن هؤلاء «المهندسين؟» لا يمتلكون حساً حضارياً «وفاقد الشيء لا يعطيه» حيث فعل أؤلئك المهندسون خطأً تاريخياً فادحاً بحق تلك المعالم التي تنافس عملقة بناء الأهرامات بمصر عراقة وتاريخاً: أن القصد من وراء هذا البحث ليس من باب نكأ الجراح وإنما هو من باب التذكير للأجيال بمعالمهم التاريخية كما أسلفنا، ولكي لا يتكرر مثل ذلك في مدن أخرى..

على أي حال. لنذهب في هذا السياق إلى تلك الجزئية من مكونات تلك المعالم التاريخية لهذه المنطقة وهي «القلعة» إذ هي جزء مكمل من تلكم الصروح الشامخة والمتجذرة ضمن التاريخ الحضاري السحيق للخليج ولمنطقة الشرق الأوسط «كما تسمى اليوم» حيث كانت حصناً منيعاً من كل غائلة وغدر لئيم، ومن كيد أعداء الرموز والدلالات الحضارية في كل مكان وزمان، ومنهم ورثة وعشاق «هولاكو» عقلاً ومنهجية، أمثال القرامطة إذ سحقو الزارة وأحرقوها والبرتغاليون قصفوا نصف منارة القلعة الحلزونية الشاهقة...

لم تكن هذه القلعة ملكاً لساكنيها بل كانت رمزاً حضارياً وحصنا ً حامياً لكل أبناء المنطقة وكانت مفتوحة لكل من أراد السكن فيها من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب ومن أقصى الشرق إلى أقصاها غرباً وعلى سبيل المثال أن بعض الأسر والعائلات الساكنة بالقلعة من مئات السنين قد أتوا من بعض بلدات وقرى القطيف: وهم الذين يقولون ذلك وليس كاتب هذه السطور أو هذا البحث سمه ما شئت مثلها «مثل أمها الزارة» حاضرة القطيف قبل القلعة، إذ حمت الزارة سكان منطقة القطيف لقرون عديدة، وأخرها حمتهم من هجمات أبو سعيد الجنابي - القرامطة - لأكثر من عام حتى سحق الزارة ودخلها غازياً في 283 هـ - 896م ومن ثم قضى على ملك البحرين «كما تسمى حينذاك» وهو آخر ملوك عبد القيس، واسمه على بن مسمار. والذي احتمى بالزارة وصمد فيها طويلاً..

كذلك القلعة قد حمت سكان القطيف في «وقعة الشربة» في سنة 1908م حيث أدخلوا كل النساء والأطفال وأهلهم وذويهم داخل أسوار القلعة، وأخلوا كل سكان الأحياء المجاورة للقلعة، عدا الدبابية حيث كانت مسورة بسور ضخم حمى سكانها من هجمات البدو في هذه الواقعة..

وحين نتحدث عن القلعة هنا لا نتحدث عن سكانها فذلك له مجال ونسق مختلف أخر، على الرغم من أنه كان لهم أدواراً جيدةً ضمن زعامات القطيف وكذلك كان لهم دوراً جيداً في الدفاع عن القطيف مثل غيرهم من زعامات القطيف من صفوى حتى سيهات إلا أنه أمر لا يعنينا كثيراً هنا بقدر ما يعنينا هندسة سورها ومتانته وضخامته والذي كان عصياً قوياً على اختراقه من قبل بعض عصابات من البدو الطامعين في الغنائم بذريعة وقعة الشربة، إلا أن العقلاء والطيبين من البدو بقوا على الحياد ولم يشتركوا في ذلك العدوان، كقبيلة بني خالد وغيرها، لذلك لا زال أهالي القطيف قاطبة يكنون لهم وداً وتقديراً حتى يومنا هذا، وكذلك بواباتها الثلاث «دراويزها» العجيبة وثمة أمر مميز فيها هو بناءها على أرض جبلية مرتفعة ومطلة مباشرة على البحر والجمرك والميناء «الفرضة» شرقاً ثم شمالاً وكأنها لمراقبة قراصنة البحر، وشركة أوتاك قد أثبتت بما لا يدعو للشك على موقع القلعة الجبلي،، أذن فالقلعة هي جزء مكون من مكونات المعالم الحضارية التاريخية للخليج وللشرق الأوسط، عموماً،، والذين يكابرون في ذلك ويتجاهلون هذه الجزئية من أمجاد المنطقة فهم على خطأ وضد لم الشمل دون أن يدروا، أو أنهم ينطلقون من ظروف زمنية نسجت حولها بيوتاً عنكبوتية هلامية ضد هذا الجزء التراثي الحضاري المهم.

وفي هذا السياق أيضا أنوه هنا عن ملحوظة قد تهم القارئ الكريم، «وربما بعض الأشخاص» من جيل الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، لم يشاهد وها وهي أنني رأيت بأم عيني دلافين تصل إلى قرب مبنى اللاسلكي القديم وهو في داخل سور القلعة، وكان هذا المبني يبعد عن الشاطئ بخمسة عشر متراً فقط. ومكانه اليوم اللاسلكي الحديث وقد رأيت هذه الدلافين وكنت على ظهر قارب خشبي معطل على الساحل قرب اللاسلكي المذكور الغير قابل للاستخدام، رأيت من خلاله تلك الدلافين تتجه إلى الغرب عند بستان باب الساب وبستان الوسادة، ومن ثم ترجع من حيث أتت،، وللأسف قضي على هذه البيئة الثمينة النادرة،، وغيرها بسبب الدفن العشوائي،،،؟ اذ أن الهندسة فن وفراسة، مثل سايس الخيل، والتي اشتقت منها كلمة السياسي «كما يقال» فالمهندس العالي الحرفية مثل الفارس العالي الحرفية، فإذا هندس هذا المهندس الماهر مدنا أو ناطحات السحاب يبقى عملا معماريا راقيا ومعمرا، ومن ثم يصبح هذا المهندس نجما ناجحا متألقا، كالفارس الدقيق الحرفية حين يمتطي صهوة فرسا مطهمة جموح لن يسقط من على ظهرها، فإذا لم يكن كذالك سوف يسقط سقطة مهينة. وقس ذلك على كل شئ دون استثناء حتى السياسيين، عندما يكونون عادلين ومنصفين وحكماء ويعطون كل ذي حق حقه يبقون كواكبا متألقة، فإذا مارسوا العكس عندئذ سيكون سقوطهم حتمي ولو بعد حين. والله أعلم.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف