آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

عن سائق الليموزين

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

ما إن انتشر مقطع سائق الليموزين في الأحساء، أخيراً، على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالذات في موقع ”تويتر“، حتى هبَّ عدد كبير من المغردين لاستنكار الحادثة، التي يتعدى فيها راكب الليموزين لفظياً، وحتى جسدياً، على رجل مُسِن يعمل سائقاً لسيارة أجرة، بسبب رمزٍ ديني يعلقه سائق السيارة على مرآتها.

الراكب تصرف بشكل فظ وغير أخلاقي، واستفز شريحة واسعة، حوّلت المقطع إلى قضية رأي عام، وسارعت شرطة الأحساء لاستدعاء الراكب بعد شكوى السائق وأهله، لكن المهم هو أخذ العبرة من قصة السائق، إذ إنها تشير إلى عدة أمور، لا بد من مراعاتها، والتفكير برؤيتنا لها، خاصة في تفهم اختلافاتنا على أنواعها، وكيفية التعاطي معها.

يمكن التنبه إلى أن راكب الليموزين ظنَّ أنه قادر على تهديد السائق بالقوى الأمنية؛ لأنه يضع رمزاً دينياً يخصه في سيارته، والسائق أيضاً ظنَّ أن الراكب يمكنه تهديد حياته ولقمة عيشه، وهو ما يعني أن الطرفين اعتقدا بعدم إمكانية التعبير عن إيمانٍ ديني ما، من خلال رمزٍ معلّق وظاهر للعيان، وهذا الظن، بالنظر إلى تراكمات طويلة، يمكن فهم أسبابه، لكن ما يجب أن تكون هذه الحادثة فرصة لانطلاقته، هو الحديث بشفافية عن فهم الاختلاف المذهبي بشكل صحي، وأن تُكرَّس فكرة مفادها أنه لا يمكن تهديد شخص بسبب اعتقاده الديني، وأن التعبير عن اعتقاده حقٌّ له، طالما أنه لا يتعدى على أحد.

الحادثة بيّنت كيف يمكن أن يكون الإنسان متعصباً وطائفياً، يصرخ باسم الدفاع عن قيمٍ دينية، وفي نفس الوقت يبتعد عن أبسط الأخلاقيات وآداب التعامل، التي يحث عليها الدين، فالراكب استخدم أسوأ طريقة للتعبير معتقداً بذلك أنه يدافع عن قيم دينية تربى عليها، ولعل هذا الأمر بالذات من أكثر الأمور التي استفزت من استنكر المقطع، فقد كان منظر التعاطي مع الرجل الكبير في السن، بالشكل الذي ظهر، والتعدي الصارخ على كرامته، سبباً لاشمئزاز كثيرين من الراكب، وجعلهم ”الوقاحة“ عنواناً لفعلته.

ولا بد هنا أن نقر بأن التعصّب والشحن الطائفي، يمكنه أن يصل إلى مراحل أبعد من هذه الوقاحة.

إن ما حصل في مقطع الليموزين، يوضح خطورة الشحن الطائفي على علاقات الناس ببعضها، وأهمية تفهم الاختلاف المذهبي، ضمن حالةٍ لا تجعل من الناس أوصياء على بعضهم، ولا تجعل من العمل على تغيير معتقدات الناس بالقوة، أو إجبارهم على طمس معتقداتهم وإخفائها، أمراً مقبولاً، كما أن التحذير من إثارة المشاكل الطائفية، والحرص على محاصرة السلوكيات الطائفية، أمر مهم بشكل عام.

وفي هذه المرحلة بالذات، التي نواجه فيها عواصف طائفية تهب بقوة من الجوار الإقليمي، ما يُرتب علينا مسؤولية تحصين مجتمعنا، وهنا، تلعب النخب الواعية، التي لم تبتلعها الصراعات الطائفية، دوراً في دفع الناس، إلى موقفٍ يشابه الهبّة ضد راكب الليموزين.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“