آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 3:23 م

عاشوراء... تجاوز البديهية ورغبة الاستكشاف

هادي رسول * صحيفة الوسط البحرينية

وحدها الدهشة قادرة على ملء الفراغ في السلوك المعرفي الإنساني، إنها باعثة القلق ومحرضة لتفاعل الإنسان مع داخله ومؤثرات محيطه.

التاريخ أحد بواعث هذا القلق المعرفي بوصفه نهرًا ممتدًا، و» الزمن هو المجرى الذي يجري فيه التاريخ» كما يعبّر الروائي الليبي إبراهيم الكوني.

ولعله وحده الموسم العاشورائي الذي يدفع هذا النهر الزمني بطاقة حيوية، مُحَمَّلًا بمجموعة من العناصر المتداخلة مع بعضها، والمؤثرة تأثيراً بالغاً في المجتمع الشيعي بشكلٍ خاص والإسلامي بشكل عام.

ولأننا «لا يمكن أن ندخل النهر ونخرج منه دون أن نتغير والنهر كذلك أيضاً قد تغير»، حسب الفلسفة الفيزيائية لهيراقليطس، فإننا ندخل هذا الموسم/ النهر خارج إطار السلوك الاعتيادي بتجاوز صارخ نحو الاستكشاف وإن لم نكن نعي تماماً طاقة هذا السلوك العفوي أحياناً. لكننا نخرج من هذا الموسم/ النهر برؤية جديدة للحياة ولمجريات الواقع المتغيّر والمتحول بنسب متفاوتة في الإدراك والممارسة حسب الاستعداد النفسي والثقافي لكل شخص.

هذا النهر التاريخي يأتي بعناصره المتعددة من طقوس وبكائيات ومراثي وفعاليات ثقافية، متكئاً على الإثارة الفكرية ومستعيراً أدوات اللغة الشعرية ومتجاوزاً الطقوس نحو الفنون الإنسانية المختلفة بتسخير أدواتها المتاحة لعرض الموضوع الحسيني برؤية تقترب من الإدهاش، تبتعد عن الرتابة، تحاول أن تكون متجددة في كل عام، في فسيفساء جمالية أدواتها المجتمع البشري الذي تتوالد فيه القضية الحسينية بطاقة دافعة نحو التغيير.

ولا أبالغ إن قلت: إني أنظر حتى لتلك العناصر المختلف عليها لا سيما «العناصر الفقهية»، بل يشتد الاختلاف فيها بشراسة أحياناً بين الأطياف المتباينة داخل المجتمع الشيعي، أنها مساحة جمالية للاستكشاف ولمقاربة الموضوع الحسيني مقاربة معرفية ونفسية تدعو للتأمل في طريقة التفاعل مع القضية الحسينية، واستلهام أثرها وتداعياتها على المعرفة الإنسانية.

تختلف الانفعالات النفسية تجاه الحدث، باختلاف المكون النفسي والثقافي للإنسان، الإنسان الذي هو مجموعة من الانفعالات التي يوجهها العقل ويترجمها السلوك إلى ممارسة حياتية.

لذا فإن السلوك الذي يمارس صناعة الدهشة هو القريب من إرادة الحياة وطاقتها الحيوية المتجددة، بينما السلوك الذي يرزح تحت وطأة البديهية هو سلوك ثقيل على الحياة، بل شلل في الطاقة الإنسانية يشبه الموت إن لم يكن موتاً مؤكداً.

«أن يكون للإنسان ذاكرة يعني أن يكون تاريخاً، ونشاط الذاكرة الذي نسميه تأملاً هو الذي أنتج تلك الأعجوبة التي أعطت الإنسان قيمة والمسمّاة: ثقافة!» كما يشير إبراهيم الكوني.

عاشوراء تحفّز الذاكرة الإنسانية وتجعلها مشغلاً تاريخياً وفكرياً ولغوياً وفنياً في آن واحد، متجاوزة بالنشاط التأملي الصامت إلى النشاط التأملي الفاعل على الأرض، منتجة ثقافة خاصة بها ولها سماتها الفريدة التي منحتها زخماً في الفكر الإنساني نظن أنه لا يوجد في غيرها من التظاهرات الثقافية والدينية على مستوى العالم.

يقول أدونيس «اطرح الأسئلة، إنها قوتك الوحيدة»، فكيف بعاشوراء وهي تتجلى كعلامة استفهام عملاقة في كتاب التاريخ، تنجب التأملات وتتناسل من رحمها الأسئلة على امتداد النهر الزمني، ويرفض طمي هذا النهر أن يعكِّر ركودُ البداهة صفْوَه وحيويتَه وتدفُّقَه المشحون بطاقة الأسئلة ورغبة علامات الاستفهام!