آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 4:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مصر: استعادة الكرامة

جعفر الشايب * صحيفة الشرق السعودية

لعل الانتخابات الرئاسية الجارية حاليا في مصر هي الحدث الأبرز في منطقتنا العربية بعد مرور عام ونصف تقريبا منذ بداية أحداث الربيع العربي، وذلك لما تمثله مصر من تأثير كبير في المنطقة العربية، ولما لهذه الانتخابات من انعكاسات سياسية كبيرة أيضا داخلياً وخارجياً. الانتخابات في مصر على مختلف المستويات لم تنقطع طوال الفترات الماضية، ولكن ما يميز هذه الانتخابات عن غيرها أنها جاءت تعبيراً عن إرادة الشعب ورغبته في اختيار من يمثله من خلال برامج تنافسية وآليات نزيهة وواضحة.

وبغض النظر عمن سيصل إلى منصب الرئاسة في مصر، فإن جميع المؤشرات تقود إلى أن هنالك إجماعاً شعبياً واسعاً لإنجاح التجربة الديمقراطية ومواصلة تقدمها على الرغم مما شابها من إخفاقات ومعوقات وتحديات. يتحدث المصريون كثيراً عن المصاعب التي يواجهونها هذه الفترة بعد سقوط نظام مبارك، وهم يعيشون مرحلة انتقالية، إلا أن كثيرين منهم يرون فيما يجري مساراً طبيعياً في ظروف التحول من الاستبداد إلى الديمقراطية. ويؤكدون دوماً أن المواطن الفرد قد استعاد كرامته ومكانته التي كانت مقموعةً في ظل نظام الاستبداد.

لا شك أن إعادة ترتيب وبناء تحالفات القوى السياسية المختلفة - التقليدية والناشئة - تسبب إرباكاً في قراءة المشهد السياسي العام، وخاصةً مع تعدد المرشحين المتنافسين على منصب الرئاسة، وعدم تبلور الصلاحيات الدستورية الجديدة. التخوف والحذر لدى بعض الاتجاهات الشعبية، جاء نتيجةً لتصريحات بعض المرشحين إبان حملاتهم الانتخابية التي لم يلتزموا فيها بمسار واضح في برامجهم السياسية بل كان تعبيراً عن تفاعلات مع قواعدهم الانتخابية.

الناخب المصري يبحث عن تطمينات باتجاهات متعددة، لعل أبرزها الحفاظ على مكتسبات الثورة وعدم التراجع عنها، وإصلاح النظام السياسي بما يضمن الاستقرار والأمن، والتوزيع العادل للثروة من خلال البرامج التنموية المتوازنة، وعودة موقعية مصر لدورها الإقليمي في المنطقة. في ظل التجاذبات القوية على الساحة، فإنه يتوقع أن القوى السياسية ذات النفوذ والفاعلية والقواعد الشعبية المنظمة هي من يمكن أن تحصد أكثر الأصوات، وأن التنافس الحقيقي في هذه المرحلة قد يستمر بين بقايا مؤسسات النظام السابق والقوى الرئيسية المعارضة له تاريخياً.

لاشك أن عديدا من الدول العربية لا ترغب في أن تتحول مصر إلى واحة ديمقراطية في المنطقة، لكن المأمول هو عدم إعاقة هذه التجربة الديمقراطية الوليدة، وأن يترك المجال أمام الشعب المصري في تحديد خياراته السياسية دون أي تدخل، وذلك ضماناً للاستقرار وإتاحة المجال أمام التحول السلمي باتجاه الديمقراطية.