آخر تحديث: 30 / 10 / 2020م - 7:32 م

خالد البسام الذي غادر قبل أن أصل

عبد الوهاب العريض * صحيفة الشرق

تلك ابتسامة لا تغادر ربما عائلة البسام في البحرين.. فقد عرفت هذا المنزل من خلال «عزيزة» التي لا تفارق ذاكرة أي مهتم في الإعلام أو الإنساني في البحرين والخليج.. عزيزة شقيقة خالد التي انتقلت إلى رحمة الله تعالى في «97».. فقد كانت عزيزة رفيقة درب وحرف.. تعرفت عليها خلال مكتبة النورس عام 89، وما برحت ألتقيها كل شهر أكثر من ثلاث مرات.. وبتلك الابتسامة التي لا تغادر شفتيها، نناقش ما مر علينا من هزائم وأحزان لحقت بالأوضاع العامة ونسجت خيوطها على الخاصة.. هي ذات الابتسامة تستقبل الحزن بمشعل ينير دروب الآخرين.. غادرت عزيزة ولم تترك خلفها كتاباً يحمل اسمها فلم يكن لديها شغف الكتاب حينها رغم كثرة البحوث والدراسات التي قدمتها في عديد من المؤتمرات العربية والعالمية فيما يخص الأسرة وقوانين الأسرة والعائلة، فقد وضعت بصمتها بقوة في جمعية نهضة فتاة البحرين بين عضوة فاعلة وبين رئيسة للجمعية «1994 - 1979م».. ومازالت تلك الجمعيات تحتفظ بهذه الذاكرة التي تسكن روح المحبين..

وبين عزيزة وخالد وبالمناسبة فهما من مواليد عنيزة حيث يقول خالد في لقاء صحفي مع صحيفة «القبس» يتحدث فيها عن علاقتها بعنيزة فهي «مدينتي التي ولدت فيها ووالدي سعودي وأمي سعودية وأهلي كلهم سعوديون، ولكن جدي سافر إلى البحرين منذ مائة سنة واستقر فيها ولكن احتفظوا بهوياتهم السعودية».

إنها الروح المشتركة بين خالد وعزيزة التي نفتقدها في كثير من الناس الذين يحاصروننا اليوم.. كان «خالد» يحضر دائماً في حواراتي مع «عزيزة».. فقد كان بارعاً في الواقع الصحفي دون أن يتحدث عن نفسه كثيراً.. كان يحاول مزج الثقافة والتاريخ في جميع المطبوعات التي عمل فيها.. حتى توقف عن الركض الصحفي وذهب إلى كتابة التاريخ الذي كان مبحثاً أساساً له.. رغم رفضه أن يحمل مسميات مثل تلك التي نسمعها اليوم بين الحين والآخر في من لا يعرف الكتابة..

استقر خالد على تصنيف «باحث تاريخي» وذهب متوغلاً في جميع الكتب.. يجري وراءها من القاهرة إلى بغداد.. وبين الهند والمكتبات البريطانية.. لم يبقَ أي مؤلف لأحد الرحالة الغربيين الذين عبروا الخليج العربي إلا وكان لديه.. فأصبح يأخذ حكاياته من تلك المراجع، وينسجها من جديد في أعمال تاريخية أخرى.. صنع من بينها قصصاً وحكايات لا يمكن لأي باحث في تاريخ الخليج إلا العودة لها والاستزادة مما كتب خالد.

لست هنا في مجال الحديث عن خالد الكاتب بقدر ما هو حديث عن الإنسان الذي استطاع الدخول لقلوب جميع من يقتربون منه، حيث قال عنه الصحفي حسين مرهون «لفرْط خُلُقه، يكاد يطرق باب سيارته قبل أن يستقلَّها، وهو كذلك».. بمجرد رؤيتك لخالد - رحمه الله - تشعر بأنه قريب منك بتلك الابتسامة التي لا تفارق وجهه والحديث الذي يسيطر من خلاله على محبيه.. فقد التقيته ذات موعد في مكتبه بحي السليمانية في المنامة.. معتزلا للكتابة.. مكتب يمارس فيه غواية التاريخ حيث يحب ويذهب بكل التفاصيل التي يمكن أن تأتي بداخلك.. من الإنسان البدوي القادم من عُنيزة إلى الرحالة الذين عبروا الأمكنة وتركوا بصمة في هذا التاريخ.. وها هو خالد اليوم الذي أخذ يرحل بداخلنا ويكتب ما لا نعرف عنا.. يأتي بكل مكوناته الأدبية فيكتب الرواية التاريخية وقصص الحب التي عبرت في مواقع الطفولة.. إنه خالد الإنسان الذي يلح عليك قبل أن تغادر المكان بأن تكرر تلك الزيارة مرات ومرات ولا تنسى الاتصال به بين الحين والآخر، فهو ينتظرك على فنجان قهوة مؤجل.. هكذا قالها لي في القاهرة وسط حضور من الأصدقاء لكنه غادر قبل أن أصل.