آخر تحديث: 9 / 3 / 2021م - 1:34 ص

السياسة كمحرك للكراهية

محمد أحمد آل محسن *

الحديث عن إثارة الكراهية أو الفتنة حديث قديم ومتشعب، يمتزج فيه قول الحق ”كما يراه أصحابه“، وبالعدوان على الآخرين والحض على كراهيتهم، والنتيجة تكون الإقصاء وإسالة الدماء أي ”الفتنة“. لكن تنامي واقع الكراهية في عالم اليوم ”العربي والمسلم تحديدا“ يستبطن التساؤل عن كيفية هذا التنامي، وهل هو بسبب كبت العقود والقرون السابقة، أم أن هناك من يحركها، أو يتحكم بها أو كلاهما؟

إن جدل وجود الكراهية والعدوان واقترانه مع ولادة الإنسان، هو جدل فلسفي عميق، بين من يؤكده مثل فرويد، وبين من ينفيه ويعطي للبيئة والمحيط دورا في تكوينه لدى الإنسان كونه في الأصل خالٍ من أي نوع من أنواع الحقد والكراهية لكنها تنمو معه بسبب عدوان الآخرين أو بسبب التنازع الذي تشكله البيئة.

وبعيدا عن تلك الجدالات، فإن واقع العالم العربي والإسلامي الحالي، والذي تجاوز مرحلة الكراهية نظريا بالوصول لمراحل متقدمة منه في قتل ونفي الآخر، هذا الواقع يستدعي دراسة الأسباب التي جعلت من الكراهية تصل لأوج مراحلها بسرعة البرق خلال بضع سنوات قليلة. وقبل ذلك ألم تكن الكراهية موجودة في مجتمعات هذه الأمة، وكيف تصاعدت الآن؟!

أحسب أن المحرك السياسي هو المسؤول عن هذا التصاعد في الكراهية أو الفتنة الحاصلة الآن، إذ يكفي معرفة أن الدين وهو المستخدم في هذه الكراهية من خلال مؤسسات دينية هي في الأساس غير مستقلة، بل تابعة للدول التي تتواجد فيها، بل وتأتمر بأوامرها. فضلا عن الإعلام الذي يحرك هذا الكم الهائل من قبح الخطاب وترويجه، ومعروف سيطرة الدول على الإعلام ”خصوصا التقليدي منه“ بشكل كبير عليه، بحيث أصبحت أهم وسيلتين لإنتاج وبث الكراهية يحركهما ويتحكم فيهما الفعل السياسي.

إن هدف هذا النوع من الكراهية واضح من خلال التغطية على المشاريع السياسية المتضاربة، والذي كما هو معروف تاريخيا يلجأ لاستحضار العامل الديني وجعله منصة لتصويب خياراته السياسية، وجعل الجمهور يقتنع أنه يواجه حربا عقدية أمام الطرف الآخر، وهذا يتضح من خلال تصاعد الكراهية وتنازلها بالعلاقة بين الدول، وكيف أنها في لحظات التسوية أو الحوار تخبو ”ولو قليلا“ حدة الخطابات التصعيدية فجأة ثم ما تلبث أن تستعيد وهجها مع أي فشل للتسوية.

إن الملفت في خطاب الكراهية هو كما يقول عنه نادر كاظم في كتاب - كراهيات منفلتة - من أن ”أصحاب الكراهية الحقيقيون قد ينخرط في لعبة إنتاج الكراهية وتداولها وهم لا يعرفون، أساسا، من يقف وراء هذه اللعبة ومن يحرك خيوطها ويضبط إيقاعها ويستفيد من عواقبها وانعكاساتها، وربما كانوا لا يعرفون حتى أنهم مجرد أدوات مستخدمة لمآرب أخرى وفي خدمة لاعبين آخرين. وقد يكون السبب في ذلك أن هؤلاء لا يستفيدون شيئا من هذه المعرفة، ذلك أن التعبير عن الكراهية عادة من عاداتهم، بل هذه هي لعبتهم المفضلة التي لا يجيدون لعبة أخرى غيرها“.

هكذا تمضي الكراهية وتتوسع بغطاء ديني، سيستغرق حتما عقود من الزمن لاندمال هذا الجرح في واقع هذه البقعة من العالم. فالحروب بغطاء ديني تجدد نفسها مع كل محرك سياسي لها حتى ولو بعد عقود أو قرون من خلال استحضار نفس الأساليب مع كل حقبة. إن مواجهة الكراهية سواء كانت ظاهرة ومجاهر بها أو مكبوتة، لا تحتاج لخطاب أخلاقي وعظي فقط، بل من خلال قانون يهذب الأخلاق، ويكبح جماح الكراهية، وفي نفس الوقت لا يستغل القانون في تضييق الحريات بستار مواجهة الكراهية.