آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 6:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

العلامة الشيخ عبد الله ابن معتوق: حياته وشعره

محمد أحمد آل محسن *
  • الكتاب: شذرات من حياة وشعر العلامة ابن معتوق ”قدس سره“
  • تأليف: العلامة الشيخ فرج العمران. والعلامة الشيخ علي المرهون.
  • عدد الصفحات: 240 من القطع المتوسط.

شذرات من حياة وشعر العلامة ابن معتوقكتاب ”شذرات من حياة وشعر العلامة ابن معتوق“ يتكون من جزئين، الأول هو من تأليف العلامة الشيخ فرج العمران ”رحمه الله“ والذي ورد في كتابه الشهير ”الآزهار الأرجية في الآثار الفرجية“ والجزء الثاني هو كتاب ”ديوان ابن معتوق“ من تأليف العلامة الشيخ علي المرهون ”رحمه الله“.

وتأتي طباعة الكتاب لمناسبة مرور 70 عاما على وفاة سماحة العلامة المرجع الشيخ عبد الله ابن معتوق ”قدس سره“ وذلك في شهر جمادى الاول من العام 1362 هـ.


الجزء الاول:

«عبقرية الإمام ابن معتوق» بقلم الشيخ فرج العمران

يقول الشيخ فرج العمران في مقدمة حديثه عن العلامة ابن معتوق ”يهمني جداً تدوين هذه العبقرية، وتخليد مالها من المآثر والآثار وتزيين كتابي هذا «الأزهار» بشذرات من عقد تاريخها المجيد، ولكن كيف تتسنى لي الإحاطة بشؤون تلك الحياة السعيدة، وتاريخ تطوراتها وقد عرفت ما عليه سيرة السلف من أهالي بلادنا «القطيف» من عدم الاعتناء بتدوين التراجم، وضرب الصفح حتى عن ذكر زعماء الدين، بل الشخص نفسه ربما يجتهد في إخفاء ما له من المآثر والآثار، ويرى أنّ إظهارها بين الناس وتسطيرها في كتاب من باب «تزكية المرء لنفسه»، المنهي عنها في القرآن والحديث“، غفلة عن قوله عزّوجلّ: «وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ»، وعن قوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».

1. نسبه: هو آية الله العظمى، الإمام الشيخ عبد الله بن معتوق ابن الحاج درويش ابن الحاج معتوق ابن الحاج عبد الحسين ابن الحاج مرهون البحراني البلادي القطيفي التاروتي. والحاج مرهون المذكور هو جّد الشاعر الشيخ حسن التاروتي، وهذا الشاعر المقدس له ذرية إلى اليوم، منهم إبراهيم ابن الحاج محمد ابن إبراهيم بن محمد ابن الشيخ حسن بن محمد ابن الحاج مرهون المذكور.

2. ميلاده: كان ميلاده المبارك ومطلعه السعيد في سنة 1274 هـ  تقريباً.

3. ابتداؤه في طلب العلم: في سنة 1291 هـ ، وهو حينئذٍ ابن ثماني عشرة سنة تقريباً، ابتدأ في طلب العلم متتلمذاً على العلاّمة الشيخ علي ابن الشيخ حسن آل الشيخ سليمان البحراني القديحي، المتوفي يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر جمادى الأولى سنة 1340 هـ ، ثم على العالم الرّباني الشيخ أحمد ابن الشيخ صالح آل طعان البحراني، المتوفي صبيحة عيد الفطر سنة 1351 هـ ، فما زال يدرس عنده إلى أن هاجر إلى النجف الأشرف.

4. هجرته إلى النجف الأشرف: في سنة 1295 هـ ، وهو حينئذٍ ابن اثنتين وعشرين سنة تقريباً، هاجر إلى النجف الأشرف، فأقام في العراق مدة تقرب من أربعين سنة، أقام شطراً مهمّاً منها في النجف الأشرف، فأقام في العراق مدة تقرب من أربعين سنة، أقام شطراً مهمّاًمنها في النجف الأشرف لطلب العلم الديني، ثم في كربلاء المعلّى. وفي مجموع هذه المدّة قد تلقى الدروس الدينية، وأحاط خبراً بجميع المسائل الشرعية الأصولية والفرعية، حتى حصلت له ملكة الاجتهاد المطلق، وشهدت له أهل الخبرة بذلك، كما ستقف عليه «إن شاء الله تعالى» عند نقل تلك الشهادات والإجازات الكريمة.

5. أوباته إلى الوطن: في أثناء إقامته في العراق آب إلى وطنه «القطيف» ثلاث أوبات:

أما الأُولى، فهي في سنة 1321 هـ ، وهي التي سافر فيها بعد وصوله البحرين إلى العقير، ثم إلى الأحساء، واستقام مدّة هناك يتلقى بعض الدروس عند أساتذة العلاّمة الشيخ محمّد بن عيثان «أعلى الله مقامه»، ثم آب إلى وطنه تاروت «القطيف»، واستقام فيها مدّة يسيرة، وأما الأوبة الثانية، فهي في سنة 1318 هـ  تقريباً، أقام في وطنه في آونة من الزمان، ثم عاد إلى العراق.

وأمّا الأوبة الثالثة، فهي في يوم الأربعاء السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة 1327 هـ ، وكانت هذه الأوبة على أثر الحرب العظمى، بعدما احتلت الدولة البريطانية البصرة، واُتّهم عند كوكس نائب الحاكم الملكي العام بأنه جاسوس يحمل كتباً من أهالي العراق إلى أهالي البصرة، فجعله النائب تحت الملاحظة، وجعل عليه رقيبين من حيث لا يشعر بهما، ولما سمع علماء العراق بذلك كتبوا إلى النائب تبرير مسلكه وتنزيه شأنه، وأنه بريء الساحة وسليم الجانب عما اُتّهم به، وأنه قد شغله زهده وتقواه وورعه بالأمور الدينية عن الأمور الدنيوية، فعند ذلك هيّأ له باخرة تسافر به إلى البحرين مع كمال الزاد والمتاع والاستعداد، حتى وصل البحرين.

ولما وصل البحرين طلب منه سكّان الباخرة أن يكتب لهم صكّاً بأنه وصل سالماً لم يصبه منهم ما يكدره ويؤذيه، فكتب لهم ذلك. هكذا سمعت.

6. كراماته: حقاً أقول: إن لهذا العبقري الفذّ كرامات باهرة ومناقب زاهرة، دالّة على وجود قرب معنوي بينه وبين خالقه تعالى وتقدّس، ولكنها لا تعتدل على أفكار أهل العصر الحاضر، لذلك طوينا عن ذكرها كشحاً، وضربنا عن نشرها صفحاً. وكيف لا ينكرون كرامات العلماء الروحانيين، وقد أنكروا الكثير من معاجز الأنبياء والمرسلين وكرامات الأوصياء القدّيسين؟ ﴿فَسَوْفَ يَأتِيهِم أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ؟!

7. إجازاته وهي خمس:

الأولى: من العلاّمة العلم السيد علي أصغر الغروي الخثائي، وهي مجهولة التاريخ.

الثانية: من حجة الإسلام العلاّمة الأوّاب، السيد أبي تراب، تاريخها سابع عشر ربيع الأول سنة 1319 هـ .

الثالثة: من السيد المولى السيد أبي تراب أيضاً، تاريخها يوم 11/2/1324 هـ .

الرابعة: من حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد تقي آل الشيخ أسد الله، تاريخها اليوم العاشر من شهر جمادى الثاني سنة 1324 هـ .

الخامسة: من حجّة الإسلام، السيد محمد الحسيني الكاشاني، تاريخها اليوم الرابع والعشرون من شهر ذي القعدة الحرام سنة 1326 هـ .

8. وفاته: توفي «أعلى الله مقامه» ليلة الخميس، الحادية من شهر جمادى الأولى، سنة 1362 هـ .


الجزء الثاني:

«ديوان ابن معتوق» بقلم الشيخ علي الشيخ منصور المرهون

”نشأته واشتغاله“

نشأ في حجر أبيه الطاهر محباً للخير وذويه، خفيف الروح قوي الهاجس حصيف الفكر، موجهاً لكل خير، فطنة وذكاء وروية وتفكيراً، فما بلغ العقد الثاني من عمره إلا وقد حفظ الكثير من العربية وما يترتي على أوائل الاشتغال، واستمر متلمذاً على كلا الشيخين الشيخ علي الشيخ حسن آل الشيخ سليمان المتوفي 11/5/1340، والشيخ أحمد آل طعان، المتوفي 1/10/1315، حتى بلغ من العمر اثنين وعشرين سنة تحصل فيها على ما عُد به من أميز المشتغلين من أقرانه مناهل البلاد، ولما طمحت نفسه

«و لا بد أن تطمح» لكمال تحصيل العلوم الدينية ليؤدي رسالته كما يجب تجهز للهجرة حيث جامعة العلم «النجف محط رواد العلم والحقيقية».

”في الوطن“

لا شك أن البلاد القطيفية عامة وتاروت خاصة كانوا في انتظاره ليرجعوا إليه في أمور دينهم ودنياهم، فجاءهم على طموح منهم وحل بين ظهرانيهم، فكان الأب الروحي والطبيب المشفق والمرجع الديني العام، وقد أقبلت عليه القلوب بما لها من اختلاف في الأهواء والمشارب والأذواق، معروفاً بالشدة في ذات الله، دائباً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأقواله بعد أفعاله كما شوهد ذلك منه مراراً مع الفريقين، كما أنه على جانب عظيم من الزهد والورع والتقى والكرم يشهد له بذلك الوجدان الذي هو أكبر البراهين البحتة، وقد كانت بلاده تاروت - على عهده - محط الأمل وموضع الرجاء مقصداً للوفود على اختلاف مقاصدهم لما أوتي من علم جم وكرم نفس يباري السحاب، وفي شهر رمضان خاصة يأمر بفتح حانوتين يخصص أحدهما للسادة والآخر للفقراء، خصلة لم توجد في غيره من نظرائه من المراجع الدينية اللهم إلا في النجف الأشرف فدائرتها أوسع من أن توصف، وقد قل ما بيده سنة من سني أواخر عمره لقلة وارده في تلك الآونة، وقد أطل شهر رمضان فضاق به الحال ذرعاً، فاهتم اهتماماً كبيراً لا مزيد عليه، فوجه جل خطابه - الذي اعتاده بعد الصلاة في الغالب - في النصائح والوعظ والأحكام الدينية في بيان ما يجب من الحقوق الشرعية، رجاء أن يأتي من الحقوق الشرعية، رجاء أن يأتي من الحقوق ما يخفف غلواء هذه المهمة ويسد من أولئك المحتاجين فورة جوعهم، فما راعه إلا انسحاب الناس اشمئزازاً مما يلقيه من ذلك، واستثقالاً منهم لدعوة الخير فإنهم ينفرون زرافات ووحداناً بعد الفراغ من الصلاة بلا فاصل خلاف عادتهم، فلما رأى ذلك ضاق ذرعاً لما يفوتهم من مصلحة.

”مكانته العلمية وآثاره“

مما تقدم عرفنا أن المترجم في الرعيل الأول من المجتهدين الجديرين بالزعامة الدينية، كما أنه في الرعيل الأول أيضاً يلازم ذلك مما يجب أن يكون عليه العالم من التقى والورع والزهد والكمال والأدب والعدالة والصيانة والعفاف والكرم والرأفة والحنان والخضوع والإنابة والطاعة لخالقه «تبارك وتعالى»، مما يمتاز به العالم عن الشيطان الرجيم فإنه كان عالماً ولكنه «كان» خالياً من كل ما يوجب خيراً، فإنه الذي يقول في جواب أمر المولى «تبارك وتعالى» حينما أمره بالسجود لآدم «خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ»، وإلى هذا يشير من قال:

لو كان في العلم من دون التقى شرف لكان أفضل خلق الله إبليس

فمترجمنا «أعلى الله مقامه» لما كان مضافاً إلى العلم الجم متصفاً بصفات الكمال البشرية - بتمام معنى الكلمة - كان أهلاً للمرجعية العامة، وبعد أن كان مورداً للشهادات الاجتهادية أصبح مصدراً لها وعرفه بذلك الخاص والعام.

1. حاشية على العروة الوثقى: كتبها بخطه على بعض نسخها.

2. رسالة مختصرة سماها سفينة المساكين لنجاة الشاكين.

3. رسالة وجيزة في أحكام الرضاع.

4. تعليقة ضافية على رسالة العلامة السيد هاشم الأحسائي، المتوفي سنة 1309، أثبت فيها ما ترجح في نظره من الأحكام الشرعية إلا أنها لم تكمل.

5. رسالة في علم الهيئة ومعلومية الأفلاك السماوية.

6. رسالة أسماها بمنية المشتاق لتحقيق الاشتقاق.

إلى غير ذك من آثاره الجميلة التي ذهب معظمها كأدراج الرياح لما فيه من التشويش والإهمال ولا سيما بعد وفاته.

7. ديوان شعر باللغة الفصحى، يشتمل على ثلاثة عشر قصيدة

منها قصيدة الأستاذ الشيخ فرج العمران التي يقول فيها:

خذي يا صروف الدهر فاضل مهجتي

فإني سئمت العمر بعد أحبتي

سئمت حياتي والحياة ذميمة

عقيب أحبائي وأهل مودتي

ومنها قصيدة للشاعر الكويتي زين العابدين يقول في آخرها مضمناً تاريخ الوفاة:

لما قضى النحب روح القدس أرخه

تبكي المجالس حزناً لابن معتوق

ماذا خلف لنا

الأولى: الصدقة الجارية، وهي المسبلتان العامتان لتغسيل الأموات في جزيرة تاروت، وهما حتى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها عامرتان معدتان لهذه الغاية.

الثانية: تلك الأثار العلمية التي تقدم تفصيلها تحت عنوان «مكانته العلمية وآثاره»، مضافاً إلى آثاره الأدبية التي يجمعها ديوانه المنظوم في مراثي أهل البيت نقدمه قريباً إن شاء الله تعالى تحت عنوان «عبقريته الأدبية»، ولا يزال ينوه بفضل خدمتهم وبفضل خدامهم خصوصاً الذاكرين لمراثيهم المخلصين في عملهم، وإنه في يوم وفاة النبي ﷺ ويوم العاشر من المحرم يقوم بمهمة المنبر أحسن قيام حرصاً على ما يترتب على ذلك من الثواب والأجر العظيمين، وربما ختم وعظه اليومي الآنف الذكر شيء من ذلك، فقد أشبه بذلك تقريباً وحيد عصره العلامة المرحوم الشيخ جعفر الششتري صاحب الخصائص الحسينية المتوفي سنة 1313، «تغمد الله الجميع بالرحمة».

”عبقريته الأدبية“

تحت هذا العنوان أسجل لمترجمنا تلك اليد البيضاء التي خدم بها الحضرة الحسينية وأسدى بها إلى المجموعة الأدبية يداً تحمل كمية من الأدب الراقي والشعر الفصيح، عاد بها في صف أولئك الذين كانوا مصداقاً لقول الإمام : «من قال فينا بيتاً من الشعر دخل الجنة»، وهذا هو جل ما يتوخاه من اتخاذه هذه الكمية من الشعر في مراثيهم ، مع ما له من الأعمال الجليلة وكونه أحد المصاديق لقول الإمام : «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء» ولا يفوتنا أن نستفيد من هذا: أن الإنسان في الدنيا ينبغي أن يكون بالنسبة إلى الأعمال المفيدة النافعة في الآخرة بمنزلة التاجر الذي يتجر في البضائع المتعددة، فإن خسر في هذه ربح في تلك، على أن الربح محتمل في الجميع بخلاف الخسران في الغالب، فمن يقدم على ربه عالماً عاملاً تقياً مصلياً صواماً زاهداً ورعاً فعالا لكل خير أثقل ميزاناً ممن هو دونه، وهو أثقل ممن هو دونه وهكذا. نسأل الله التوفيق لكل خير.

وهذه الكمية تشتمل على ثلاثة عشر قصيدة بين طويلة وقصيرة، جعلنا كل قصيدة تحت عنوان يناسبها ليسهل على الطالبين تناولها.

وغيرخفي أن هذا بعض من كل مما قاله في مراثيهم ، بيد أن الذي عثر عليه منه هو هذا القدر بين أوراق ودفاتر وكتب وزوايا رهينة الغبار والأرضة، وباهتمام الفاضل الشيخ فرج العمران ومساعدة الشيخ محمد تقي ابن أخي الفقيد الشيخ سلمان المعتوق، فجزاهما الله خير الجزاء.

”نهاية المطاف“

حياة ذلك البطل الخالد الذي هو في الطليعة من علماء بلادنا الأعلام «أعلى الله مقامهم»، دفعني إلى تحريرها الواجب الديني أولاً وبالذات والوطني ثانياً وبالعرض، لم يحفزني عليها قريب أو بعيدو لم يحررها قلم مستأجر يكيل الألقاب كيل الصاع، لا أبتغي إزاء ذلك حمداً ولا شكوراً ممن قرب أو بعد، إذ لا شكر على واجب، حامداً ربي سبحانه على ما وفق من إيجاد هذا التراث الغالي والأثر الخالد، ولم أكن في الواقع ذلك الذي يمكن أن يقوم بهذه المهمة ولم أكن من فرسانها ولا من أبطالها، ولكن «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، وإلا فحياة مترجمنا أجّل من أن تكون في مثل هذه الدائرة الضيقة، بل هي أوسع من ذلك بكثير، ولكن إعواز المصادر يؤدي إلى هذا وأكثر، وكيف كان فلا يسقط الميسور بالمعسور، وما التوفيق إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وأستغفر الله من كل زلل وخطل. وصلى الله على سيدنا محمد وآله سادات الأواخر والأُول، سائلين المولى سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الذين آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.