آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 3:54 م

وأبصرت!

بتول آل شبر

أن تعيش في النور وترى ألوان الحياة بأطيافها وجمالها، تفتح عينيك وتغمضها كل دقيقة، على الأبيض الأسود الزهري، فذلك لا يعني أنك أبصرت.

تخيل معي أن تبدو حياتك في الظلام هي الحياة كلها، أن تكن العوالم مجرد أصوات وصدى، كل العوالم نبرات شتى، لها ضوضاء مزعجة في حين ولها معازف هادئة أحيان أخرى. أو أن تدل الطريق كل الطريق بيديك لا عينيك، هل ستمسك جدار يحميك أو خطر يوخزك يدميك. أو أن تدرك معنى الأشياء كل الأشياء بروائح زاخرة، ولا تعرف أحبابك أهلك أصحابك إلا بأنفاس تستنشقها لهثا.

هل تخيلت؟ أن تصتدم بحجر صغير جدا، وعلى الرغم من كون حجمه يتلاشى مقارنة بجسدك إلا أنه يمنحك الطواح! ربما يسقطك غثيان على وسادتك لرائحة خبثى التقطتها في بحثك عن لقمة تلهمها بين رفوف مطبخك! أو حتى تسري في عروقك قشعريرة ترجفك لمسمع خطى جرو لا يفقه شيئا يلاحقك!

تلك الصور التي جمعتها الآن في عقلك وتعاطفت معها في روحك أو ربما غرقت بها أشجان قلبك، لا يعيشها الكفيف كل فجر بقدر ما نعيشها أنت وأنا وربما آخرون كل ساعة، نعم! كثير منا لا يرى، وإن كانت مياه عينيه حية ترزق، دعني أخبرك...

كم فرد منا يقطع عشرات الكيلومترات كل نهار متجها لجامعته أو عمله أو حتى منزله؟ كم منا يمضي ساعة أو ساعتين في رحلته؟ الكثيرون، الكثيرون جدا على هذه الوتيرة، لكن كم منا هم الذين يبصرون آنذاك.

منذ أربعة أشهر وفي نفس المسار تعبر حافلتي كل يوم مرتين أو ثلاثة، لم أكن أشاهد عبر نوافذها إلا منازل ثابتة صامتة، مصابيح عتيقة معلقة، شوارع مكتظة فائضة، كثبان رملية مترامية، أفواج بشرية متدفقة، نخلات متصلبة ماكثة. وكأنما تلك المرائي صور معلقة فوق إطار لا يتخللها إلا وهج الشمس يحول فيها الألوان لا أكثر.

بالأمس فقط أبصرت! نعم للتو فتحت أجفاني وأبصرت لا يبدو إني فقط شاهدت، للمرة الأولى آخذ عهد على نفسي أن أبحث عن أمر جم. بحثت كثيرا عن شيء جديد لكن دون جدوى، أخذت نفسا عميقا وجحظت لمهلة...

هنالك كانت طفلة لم تغزو الأرض إلا من سبعة شتاءات، مشرئبة وجناتها بالفرح، أوصلها أبيها للمدرسة، نزلت بأثر متطاير نحو باب المدرسة، ثم عادت فجأة نحو السيارة بلمح البصر: لم أقبل رأسك اليوم يا بابا!

هنالك كانت حمامة راجفة، ببياض القز طهرت طرف عتبة، وكأنها قد تربت على الفضيلة، تطرق ثغر الباب ثلاثا، لمحها شيخ مليح بشيبه، وقد كان الباب بابه، فتنحى بضعة ثم فتح كفيه يداريها بفتات خبز، وريثما بدت تهتز راقصة على أنغام قضماتها، لفتني ذلك العجوز الذي بدا شابا في فؤاده الطيب، أن دفء لها قطعة قماش ندفية، فتوسطتها متنعمة هانئة بالرحمة الربانية!

هنالك كانت طفلة روضة، وكأنما قد اكتسبت من الضرع الذي أرضعها سمرة بشرتها، ثم التي غدت مخملية الحمرة، حينما داهم تغنجها قبالة المنزل ابن الجيران الذي لا تبعد ساعة ميلاده عنها إلا حولا أو نص عام، إذ استعار من ورد المعابر زهرتين، وزكى يديها فيهما الشذى!

هنالك كانت هرة، تبدو شعثاء رثة، تدلى نهديها المكتنزان معلنان عن انتفاخة بطنها بالأجنة، لكنما ذاك المخاض لن يبدو ميسرا، حيث بدا لي ثغرها أجوف قاحل وهي جائعة، لم تكن إلا هنيهات قليلة إلا وعامل نظافة قد أخرج من جعبته عظام بالية، فانتصب ذيلها في خضم النهم، وبدأت تقتات على حفنة من اللحم تيبست بين خلجاتها، ليس هذا هو المشهد فحسب، بل إن الهرة وفاء منها وعرفان كريما كان لها بصمة في نابض عامل النظافة، حيث تتبعت المعابر معه، شاكية له فقرها كفقره، وحين تمزق نسيج الكيس الذي كان جامعا للقمامة فيه، اضجعت على الأوراق حتى لا تتطاير مع نسيم الريح، فعاود لم شملها بتثاؤبات الوسن!

تلك قيظ من فيض، فما لا يرى أكثر بكثير مما يرى، وما يروى أبعد البعيد عن الرواية. بالأمس أبصرت ما كنت ضريرة عمياء عنه، هي كالثرى أشياء ضئيلة لا قيمة لها إلا حين نمسها بالمعاني أو المراسيل. أبصرت! والبصيرة سر من أسرار الشغف ومكونة من مكنونات الدهشة، كالملائكة الصغار حينما تعطيهم لعبة فلا تبلغ بين جنباتهم غروب الشمس إلا وقد تمزقت إربا ومنحوها رمق آخر في خيالاتهم لاستخدامات أخرى. أزيحوا ستائر أجفانكم على خفايا وخبايا الزوايا، فدائما هنالك ماهو أجمل!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
قلم رصاص
[ القطيف ]: 22 / 1 / 2016م - 2:45 ص
ليتك كاتبة المقالة العزيزة تقرأين أكثر وتكتبي لتحتفظي بمقالاتك لحين النضج فكما أود الإيضاح بأن المقال المصاغ جيداً يصل للأذهان فلا داعي لاستعجال النشر إن لم يكن هناك تدقيق على جودة المقالات المنشورة .. تصحيح المثل: غيض من فيض ..