آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 2:01 ص

دلالات من حياة الانسان الأول!

الشيخ ابراهيم الميلاد *

الاختلاف في الأديان والمعتقدات والأفكار والمشاعر بين البشر ظاهرة واضحة المعالم في كل زمان ومكان وجيل ولقد بدأت تلك الظاهرة منذ اللحظة الاولى التي وجدا فيها ابو البشر «آدم» وزوجه «حواء».

فعلى الرغم من أنهما كانا على دين سماوي واحد منذ ان خلقا حيث يمكن فهم ذلك بالنسبة لآدم ع من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ وليس الخليفة الا الانسان الكامل الذي لن يكون الا نبيا او وصي نبي لعدم امكان ان يتصف بوصف «الخليفة» على نحو الحقيقة غيره.

كما يمكن القطع الكامل بان «حواء» قد ولدت على الفطرة ولم تتردد في ان تأخذ معالم دينها من زوجها الذي كان نبيا يوحى اليه من السماء.

لكن اجتماعهما على دين واحد لا يعني أنهما شيء واحد فيما قد كانا عليه من تفكير وانظار ومشاعر وبالتالي مواقف فيما لا يكون ملزما من الناحية الدينية. ولكنهما عاشا معا وأدى كل واحد منهما دوره المطلوب منه دينيا وحياتيا.

وبالرغم من قلة ما وصل إلينا عنهما من تفاصيل من خلال القرآن والروايات فيما يتصل بتفاصيل حياتهما الا ان ذلك كاف ليكشف لنا عن حقيقتين يمكن للأجيال ان يستفيدوا منهما في حياتهم المتجددة:

الاولى: ان الدين لا يمكن ان يقف عقبة او حجر عثرة في ان يتعايش البشر فيما بينهم دينيا وهو الذي انما انزل من السماء ليجمع القلوب وليوحد الصفوف ولينظم الحياة ويضمن القسمة العادلة بالحق للمصالح والفرص.

الثانية: ان تعدد البشر فيما هم عليه من انتماءات وحالات في الميول والأفكار والمشاعر لا يعني استحالة ان يندمجوا فيما بينهم ويتعايشوا على قواعد من الدين او أنظمة اتفقوا عليها او مصالح ومنافع يتطلعون لتحقيقها.

فالدين متى ما كان منسجما مع الفطرة كان أقوى عوامل التعايش والاندماج كما ان البعد الإنساني لدى البشر بطبعه يلتقي مع الدين تماما كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.

وكما قال الامام علي : «الناس صنفان: اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق». وهو اجمل وادق تعبير عن ما أردناه من الكلام آنفا فالحياة والاندماج والتعايش انما يكون على احد هاتين القاعدتين: الإخوة في الدين او الوحدة في الانسانية وكل واحدة تكمّل الاخرى وتساندها وتفضي اليها.

ولكن الذي يلفت النظر ويستدعي التوقف في حياة الانسان الاول «آدم وحواء» هو ما قد جرى بين ابنيهما «قابيل وهابيل» حيث قتل الاول الثاني بطريقة بشعة! في نزاع ما قد وقع بينهما وقد سجله القران بشيء من الإسهاب حتى قال تعالى في نهايته: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ. وهي حادثة يستحضرها القرآن للأجيال لأهميتها فيما يمكن ان تكشفه من حقائق وتشير اليه من دلائل مقابل ما قد كان عليه الانسان الاول «آدم وحواء» من كمال وايمان لتكتمل صورة المشهد وما يمكن ان تكون عليه المسيرة البشرية في القادم من الازمان والأجيال في طبيعتها واحتمالاتها.

فقصة ابني آدم كشفت ان في النفس البشرية قوتين يمكن ان تكونا متعاكستين في الاتجاه: الاولى: العقل الذي فيه سمو النفس عن كل ما يمكن ان يشينها ويقف او يعرقل رقيها. والثانية: النفس وما يختلط بها من الهوى الذي ربما تحرك بعيدا عن هدي العقل فأغرق صاحبه في دوامة من التيه والعمى والعنف.

فقابيل حيث اتبع هواه فقد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله بدم بارد بينما هابيل الذي هُدّد بالقتل وربما كان يعلم بجدية التهديد له الا انه استعصم وأظهر تمسكه بالعقل والدين بقوله: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. أوليس رأس الحكمة مخافة الله؟!.

وهي حادثة لم تكن لتقع خارج ظروف ذاتية وموضوعية قد كانت.

وهكذا نستخلص من بعض جوانب قصة الانسان الاول على نحو الإجمال الحقائق التالية:

1/ ان ارتباط البشر بالدِّين بدأ منذ اللحظة الاولى لوجود البشر على ظهر هذا الكوكب فهما قرينان وفي ذلك دلالة على لابدّية الدين في حياة الانسان وان مسيرته في الحياة لن تكون مستقيمة الا بالإيمان به والتمحور حوله فهو الذي يرسم معالم العقيدة وينظم الحياة. ومن هنا كان آدم ابو البشر اول الأنبياء وهو الذي حمل الوحي وبلغ الرسالة لأهله «زوجته» واولاده وأحفاده وبه بدأت سلسلة الأنبياء حيث ختمت بأشرف الأنبياء وأعظمهم محمد ﷺ.

2/ ان اللبنة الاولى في الحياة الاجتماعية للبشر انما تتشكل من خلال علاقة الرجل بالمرأة «الاسرة» التي تقوم على رابطة قوية «ميثاق غليظ / العقد» ومن خلالها وضمنها يمكن ان تتوسع دائرة العلاقات وتتشعب لتصل الى أوسع الدوائر كالمجتمع والدولة والأمة. اما صمام الأمان لكل ذلك فليس هو الا الدين والاخلاق.

3/ ان غياب احد الوازعين الديني او العقلي من شأنه ان يدخل العلاقات والروابط في نفق مظلم ودوامة من النزاع والشقاق الذي قد يتطور لينتهي بأطرافه الى التقاتل والاحتراب وهو ما سيؤخر حركة التاريخ من ان تواكب مقتضيات الحياة ومتطلبات الزمان وفي ذلك خسارة لكل الأطراف.

4/ ان دراسة الماضي والاعتبار به واستلهام الدروس البليغة منه له عظيم الدور في التعرف على سنن التقدم وعوامل الرقي وفي ذلك استحضار لاهم عناصر الإصلاح والنهضة.

5/ لا شيء يمكنه ان يدمر الحياة ويؤخر المجتمع والامم كالعنف الدموي الذي عادة ما يبدأ بعنف كلامي يسبقه انحراف فكري مصحوبا بنفسية قلقة نزاعة للشر.

ان قصة الانسان الاول تحمل من الدلائل «الحقائق» التكوينية والدينية والتاريخية الشيء الكثير مما يعد بحق من الأصول الفكرية التي متى ما احاط العقل البشري بها علما ووعى ابعادها استطاع ان يبني على هداها واقعا يمكن ان يسوده الإيمان ويحكمه العقل وترفرف عليه مبادئ العدل والأمن والحريّة.

القطيف