آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 8:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

صيانة العيش المشترك

جعفر الشايب * صحيفة الشرق السعودية

لعل أول من أطلق هذا المصطلح المرحوم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في لبنان بغرض المحافظة على السلم الأهلي عبر تأسيس خطاب واع وحضاري يهدف لإدماج جميع الطوائف في النظام السياسي والاجتماعي بصورة متكافئة ومتساوية.

من أكثر التحديات شخوصاً في هذا المجال هو التوظيف السياسي للإيديولوجيات الذي ينتهي إلى تعميق الهوّة بين المكونات الاجتماعية المختلفة، وإبراز الاختلاف بينها وكأنه صراع متفجّر وليس تنافساً مشروعاً يقوم على احترام مصالح كل طرف.

قبل عدة أسابيع عقد الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي ندوة حوارية مهمة تناولت هذا الموضوع بصورة شاملة، أو معالجة التحديات التي تواجه منطقتنا العربية والناتجة من تفجر القضايا الطائفية وتفكك المجتمعات المحلية لفئات متنافرة قد يقودها لحالة من التعصب والصدام.

هذا القلق قائم وحقيقي وله جذوره الدينية والسياسية والاجتماعية، فالتنوع في منطقتنا العربية بمختلف أشكاله، لم تتم إدارته من قبل الأنظمة السياسية بصورة إيجابية تحترم وجوده وتعززه وتستثمر ثراءه.

كما أن التطورات الأخيرة في المنطقة ساهمت في إثارة هذا القلق مجدداً مع صعود تيارات واتجاهات مؤدلجة فرزت بين مكونات النسيج الاجتماعي بشكل واضح. المشاركات في الندوة أكّدت جميعها على المبادئ الإنسانية والدينية السامية التي تدعو للحوار وقبول الآخر، وعلى ضرورة تفكيك خطاب الكراهية والتخويف والتهديد المستند على مفاهيم عنصرية وتفضيلية، كما جاءت التوصيات متوافقة مع مبادئ التسامح والانفتاح والتواصل وطمأنة الجميع.

تناول بعض المحاضرين بصورة مفصلة أيضاً الآثار المترتبة على تنامي خطاب الكراهية وآثارها في زعزعة الأمن الاجتماعي، وتهوين الآخر المختلف، واستلابه حقوقه وحريته في المشاركة والعمل العام.

ولعل من أهم ما طرح في الندوة عرض لتجارب حية لمبادرات مؤسساتية ساهمت في تعزيز التواصل والحوار بين مكونات اجتماعية متنوعة ومختلفة، عززت من مصداقية هذه التجارب النجاحات التي وصلت إليها من تفاهم مشترك، وتجسير العلاقة بين هذه المكونات وتفعيل برامج عديدة تعالج إشكالات حالات التعصب.

هذه المفاهيم الثقافية والدعوات المتكررة للتسامح والتواصل والتعايش ينبغي تحويلها لبرامج عملية ميدانية تتناول قضايا كل مجتمع عربي والتحديات التي تواجهه، وبوسائل وطرق إبداعية تشمل الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي والتقنية الحديثة، وتحييد منابر الخطابة الدينية، وتطوير خطاب إعلامي مناسب.

إن صيانة العيش المشترك مبدأ إنساني، ومطلب جماعي يعتبر ضمانة للاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي، وله متطلباته التي من بينها الإقرار بالتنوع والتعددية، وحماية جميع الأطراف من أي تهديد أو تجاوز، وإدماجها في النظام العام بشكل متساو.