آخر تحديث: 2 / 12 / 2021م - 1:30 ص

الحوار بين الممكن والمستحيل

ابراهيم الزاكي

الدعوة إلى التواصل والتلاقي والحوار، كما أشرنا في مقالة سابقة، لا يهدف إلى تنازل طرف عن أفكاره ومعتقداته، والانصهار في فكر الآخر ومعتقداته، وإنما يهدف إلى تجسير الفجوة بينهم، ومد الجسور بين بعضهم البعض، وتجاوز حالة التمزق والاحتقان، ونبذ الفرقة وتحقيق الوحدة، والتصدي للتحديات والقضايا المشتركة، وتحجيم الأفكار الداعية إلى التمزق والتحارب، وتعزيز قيم التعدد والشراكة.

إن المصلحة العليا للناس في أي مجتمع تجعل إمكانية الجمع بين المكونات المختلفة فيه حد التناقض أمراً ممكناً، وقابلاً للتحقق. فبالسياسة يمكن للأطياف والمكونات الاجتماعية التفاهم والاتفاق فيما بينها، بمعزل عما يمكن أن تفرقة العقائد والأيدولوجيات. فالأزمات والنزاعات عندما تستفحل وتستشري قد تنتهي إلى آفاق مسدودة، وتؤدي إلى حروب أهلية تأتي على الأخضر واليابس. إلا أنه بالتواصل والتلاقي والحوار، يمكن تفكيك المشاكل المستعصية. ففي عالم السياسة لا وجود لمشكلات عصية على التفكيك والحل، فالسياسة هي عالم الممكن، وليست عالم المستحيلات.

في عالم السياسة لا يوجد الأبيض والأسود فقط عند مناقشة القضايا المختلف عليها، وبالتالي دفع الأمور إلى حدها الأقصى، بل هناك ألوان أخرى مختلفة من المفترض ألا تغيب، ووضعها في الاعتبار حين التحاور، وذلك من أجل فتح كوة في الجدران المسدودة، وتخفيض مستوى التوتر، وحل الأزمات المستعصية، والوصول إلى حلول مرضية وواقعية، بدل دفع الأمور إلى حدها الأقصى والاصطدام بالحائط.

وعند مقاربة الحالة الحوارية في مجتمعاتنا، ومقارنتها بغيرها من التجارب الحوارية، نجد أن العقلية الحوارية في مجتمعاتنا لا تجيد لغة الحوار، ليس فقط بين المكونات المختلفة، وإنما أيضاً بين أطياف المكون الواحد. لأنها غير معتادة على التلاقي والحوار حول أوضاعها ومشاكلها وهمومها. فكلٌ يغرد على ليلاه، معتقداً بأن ما يقوله هو الصحيح، والآخرون بالضرورة هم مخطئون، بل على الآخرين اللحاق به، كونه الوحيد الذي يحتكر الصواب، ويمتلك الحقيقة.

عندما نتحدث عن الحوار فنحن نتحدث عن أطراف مختلفة تشارك فيه، بحيث يكون لمن يشارك فيه حق التحدث وابداء الرأي، وحق الاتفاق والاختلاف مع من يتحاور معهم، مهما بلغ حد ومستوى الخلاف والاختلاف، على أن يسود الحوار لغة العقل والمنطق والحجة والبرهان. غير أنه في حال تحول الحوار إلى حوار ذو اتجاه واحد، يفرض فيه طرف، أو كل طرف على الآخر من محاوريه، رؤاه وافكاره، مدعياً امتلاك الحقيقة المطلقة، ومتوهماً امتلاك الإجابات اليقينية عن كل الأسئلة المثارة، عندها ينتفي مفهوم الحوار، ويتحول إلى حوار الطرشان، فلا يسمع فيه هذا الطرف أو ذاك إلا صوته هو، ويتحول كلٌ منهم إلى جدار أصم لا يسمع أصوات الآخرين، وإنما يسمع ارتداد صدى صوته.

إذا لم يتحول الحوار إلى حوار ذو اتجاهين، بحيث يسمع كل طرف صوت الآخر، لا صدى صوته، فإن المحصلة الناتجة هي لا شيء، ويكأن الجميع ينفخ نفخاً في قربة مثقوبة، تؤدي بهم إلى الإنهاك، والاصطدام بالحائط المسدود، حيث تنسد العقول، وتتجمد الأفكار والرؤى، وتنتفي معها إمكانية تقبل التسويات، والوصول إلى القواسم المشتركة، والحلول الوسط التي تفتح آفاق العلاقة بين المتحاورين، حينها لا يصبح أمامهم إلا الصدام والنزاع والخصام، ورفع وتيرة لغة التصعيد والتوتير، وتبادل التهم، والإساءة إلى بعضهم البعض بالألفاظ الجارحة والأقاويل النافرة، من دون أن تحكم اختلافاتهم الضوابط والقيم.