آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 1:35 م

البريدي وذاكرة الفوضى

عبد الوهاب العريض * صحيفة الشرق

لم يمر يومٌ دون أن نتحدث، وربما نختلف ونضحك، الاختلاف معه كان مفرحاً والتوافق معه كان كذلك..

ترى فيه الابتسامة التي لا تفارقه للحظة، لم يرفض يوماً أيّاً من حواراتنا، بل كنت أضغط عليه في بعض الأحيان بأن أطلب منه أن يتوقف أثناء رحلة جبلية قليلاً ويكتب تراتيله، على أن أستقبلها منه عبر ال «واتسآب». وها أنا اليوم أستقبل خبر رحيله من خلال رسالة عابرة لصديق يكتبها على ال «واتسآب». ولا يعلم صديقي مدى تعلقي ب «البريدي»، فقلبه حاضر معنا في كل لحظاته الحميمية، وبعد هذا الخبر تحول يومي إلى حالة أخرى، وتأجلت جميع مشاريع القهوة والصباح التي كنت أنويها، ليحل مكانها ذاكرة من الحب والبكاء في أعماقي. لم ألتقِ «محمد» بعد، ولكني كنت معه في تفاصيله الصغيرة التي بحكم العمل جعلتنا قريبين، فتعرفت عليه وأنصت إلى وصايا العميد «إبراهيم طالع»، حينما يتصل ليوصيني به خيراً.

أحبَّه رئيس قسم التصحيح «خليل عناية»، لأنه كان لا يتعب مع مقالته فلا يتم تعديل أي حرف عليها، وكان يكرر بأنه يقرأها فقط للمتعة وليس للتصحيح كما يفعل معنا نحن الدخلاء على الكتابة، فلسنا محترفين مثله.

محمد البريدي غادرنا في مساء أمس الأول بصمت دون أن يشعر أحد برحيله، فهذا الجليل بأخلاقه والجميل بطباعه يغادرنا قبل أن يضع أكثر من كتاب وقبل أن يكمل مشروعه في الحياة، بل كان يحاول إكمال مشاريع الآخرين ويقف مع الجميع ويساهم في إنجاح المشاريع الثقافية والأدبية في مجلس رجال ألمع الذي لم يتغيب عنه يوماً، وكنا على موعد مؤجل في هذا المجلس الرائع.

محمد البريدي الذي بدأ مع «الشرق» زاويته في الأخيرة وآمن به «المعلم» - كما يحلو للبريدي تسميته - قينان الغامدي.. ومنحه تلك المساحة لمعرفته بأن هذا القلم لن يجف إلا إذا توقفت نبضات القلب.

اليوم وقد خرج البريدي من لعبة الحياة بهذه السرعة، يجعلنا نرثي أنفسنا قبل أن نرثيه؛ فلم نستمتع كثيراً في الحديث معه ولم نمنحه ربما لحظات أجمل، فهو من كان يمنح الجميع التفاؤل والرؤى الجميلة عندما واصل كتابة تراتيله على صفحات «الشرق»، وما كان يقبل بالرحيل لولا ظروف توقفه الطارئة تلك الفترة.

مع رحيل محمد أستعيد الذين مروا ورحلوا بصمت ممن حملوا اسم محمد ليكتمل الثالوث اليوم برحيله، أو أقول بالسفر الطويل الذي ودعنا به البريدي دون أن يلوح بيديه في الأفق ليقول لنا: مع السلامة، بل كنا نعود وننتظره كل صباح بتلك الحروف التي أوجعت بعضهم ونثرت الفرح في قلوب آخرين.

هم هكذا يرحلون بصمت دون أن يثقلوا عليك ولا ينتظرون منك حتى اتصالاً تشفق من خلاله على مرضهم أو تستثقل زيارتهم؛ فكانوا أكرم منا دائماً في غيابهم وحضورهم.