آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 11:51 م  بتوقيت مكة المكرمة

«60» الدين والديمقراطية

الدكتور توفيق السيف *

دعني اسألك عن كتابك ”رجل السياسة: دليل في الحكم الرشيد“. تقول ان الانتقال الى الحداثة يتجسد على نحو ملموس من خلال تغير انماط الحياة، الاقتصاد، العلاقات الاجتماعية، اللغة، والسلوكيات الشخصية. لكني أرى ان الخطاب الديني التكفيري منتشر بيننا. فكيف نتكلم عن الحداثة؟. هل تتحدث عن أحلام مستقبلية أم اننا فعلا جاهزون للانتقال؟.

اظن اننا في الخليج بشكل خاص، وربما في السعودية بشكل اخص، نبالغ في تقدير القوى المضادة للحداثة. نعلم ان معارضي الحداثة يعادون حقوق المراة، حرية الراي، تعدد الطوائف والمذاهب، تعدد الثقافات. وهم يعبرون عن معارضتهم بصوت عال. أخشى اننا نتوهم ان أصواتهم العالية هي التي تعيق التقدم نحو الحداثة.

لا شك ان موقفهم مؤثر، لأن عامة الناس قد ينخدعون باللغة الدينية التي يستعملها أعداء التقدم. الاستعمال الذرائعي للغة الدينية مؤثر بالتأكيد. لكن العائق الرئيس ليس التيار الديني. اذا اعتبرناه كذلك فنحن نبالغ في اهمية مواقفه.

اعتقد ان السياسة هي التي تعيق فعليا تحول المجتمع نحو الحداثة. في البلدان النامية، سيما المجتمعات التقليدية مثل مجتمعنا، تمثل الدولة المحرك الرئيس لكافة التحولات الاجتماعية تقريبا. ومن هنا فان مواقفها وسياساتها تنعكس بعمق على توجهات المجتمع وانشغالاته. التيار الديني ليس فاعلا مستقلا، لأن الجزء الأوسع منه يعمل في ظل الدولة، وهو يكيف خطابه وحدوده تبعا لسياساتها. ثمة تيار صغير يتخذ موقف العداء للدولة، لكنه لا يعبر عن قوة اجتماعية ذات شأن، وأظن انه لا يستطيع إعاقة أي تحول اجتماعي رئيسي.

فيما يخص التيار الديني العام، لو نظرنا في تاريخ التحولات الرئيسية في بلادنا، سيما تلك التي لها علاقة مباشرة بالتحديث، فسوف نجد انها جميعا ووجهت بمعارضة من جانب رجال الدين التقليديين، لكن الذي نجح منها هو ذلك الذي حظي بدعم الدولة. وبين الأمثلة التي يعرفها الجميع، يمكن استذكار موقفهم من انشار التلفزيون والتعليم وتعليم البنات والنظام المصرفي وتطوير القضاء وعمل النساء، بل حتى الاعمال التي طبيعتها دينية بحتة، مثل توسيع الحرمين وتنظيم ذبح الأضاحي وتسيير الجمعيات الخيرية والأوقاف. في هذه الأمثلة جميعا تبنى رجال الدين موقفا مخالفا لموقف الدولة، لكنهم جميعا تراجعوا او سكتوا حين حزمت الحكومة أمرها وقررت المضي في تلك الاعمال.

هل تشير الى ان رجال الدين والتيار الديني عموما يتخذون مواقف انتهازية، يخالفون ثم يوافقون تحت الضغط؟.

هذا ليس سلوكا انتهازيا. الانتهازيون لا يعبرون عن أي موقف، فهم دائما بانتظار موقف الشخص أو الجهة التي يتملقون لها، كي يقولوا ما تريده أو ما تتمنى سماعه. أما بالنسبة لرجال الدين فكثير منهم يعلن رأيه، لكنه لا يصارع الدولة أو المجتمع من أجله. ولهم في ذلك مبررات معقولة. ابرزها ان إعلان الرأي هو بيان لما يرونه من الحق، والسكوت عنه لاحقا يصنف كطاعة لولي الأمر. لكني أود الإشارة هنا الى بعض المواقف التي تنطلق من مجاراة للجمهور ولاسيما الأطراف الأكثر تشددا منه. حيث أظن ان بعض الناشطين في التيار الديني ورجال الدين يتخذون مواقف في قضايا معينة مجاملة لتلك الشريحة، مع علمهم بأن رأيهم لن يكون مؤثرا في موقف الدولة وقرارها، فهو أشبه بتسجيل موقف، كي يقولوا في وقت لاحق انهم تحدثوا لكن لم يستمع اليهم أحد. هذا نوع من التكتيك السياسي المتعارف، وأظن ان كثيرا من الناس يميزون بينه وبين الآراء التي تصدر عن موقف جدي.

عودة على سؤال الجاهزية للحداثة. هل لديك دليل على أن المجتمع السعودي جاهز للتحول ام هو انطباع عام؟.

سبق ان تحدثت عن هذا في حوار سابق. وزبدة ما يقال هنا ان أبرز مؤشرات الجاهزية للحداثة، هو نفوذ الاقتصاد الحديث في عمق المجتمع. نعرف ان هذا قد تحقق فعلا في المملكة. نعرفه من خلال مؤشرات محددة مثل نسبة المواطنين الذين تلقوا تعليما حديثا، ونسبة الطبقة الوسطى الى مجموع السكان، ونسبة سكان المدن الى المجموع، اضافة الى مستوى حركية المجتمع وتواصله مع العالم.

فيما يخص التعليم: يبلغ عدد السعوديين الحاصلين على شهادات جامعية نحو 3.3 مليون، بينهم 255 ألف يحملون شهادة الماجستير او الدكتوراه. ويبلغ عدد الطلبة المقيدين في الجامعات حاليا نحو 1.5 مليون. هذا يعني ان 24 بالمائة من السعوديين حصلوا على تعليم حديث في مستوى متقدم نسبيا. وهو يعني بالضرورة انهم يحصلون على وظائف متوسطة أو رفيعة. أفترض ان ما لا يقل عن ثلثي السعوديين، يمكن تصنيف مستواهم المعيشي ضمن الطبقة الوسطى «بالمعنى الاقتصادي فقط». هذه النسبة الكبيرة منخرطة في الاقتصاد الحديث، وهي متصلة مع العالم من خلال نظم الاتصالات الحديثة والانترنت. كما ان سكان المدن يشكلون اكثر من 75% من عدد المواطنين. وقد ناقشت بشيء من التفصيل بعض المؤشرات المتعلقة بهذا في كتابي ”سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي“.

زبدة القول ان تشخيص الجاهزية للتحول ممكن بمقاييس علمية معروفة. ويمكن لأي شخص تطبيقها على الأرقام والمعطيات المعروفة والمنشورة. وهي كلها تؤكد اننا جاهزون تماما. بل ان شريحة معتبرة من السعوديين تتبنى فعليا قيم الحداثة، وهذا ظاهر في السوق وفي الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.