آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 2:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«67» الدولة الدينية والدولة المدنية

الدكتور توفيق السيف *

نعيدك الى مفهوم الدولة الدينية والدولة المدنية، يقف الليبراليون خاصة في منطقتنا ضد مفهوم الدولة الدينية، فيما يقف الاسلاميون ضد فكرة الدولة المدنية. هل نستطيع التوصل الى نظام سياسي يقبل به الطرفان؟

اظن أننا مبتلون بمرض الجدل حول الصناديق المغلقة والأفكار المعلبة. وهذا أوضح ما يكون في هذا الجدل الذي انشغل به كثير من الكتاب وأهل الرأي منتصف العام 2012، ثم نسوه كما نسوا الجدالات التي قبله. في هذه الجدالات التي شهدتها الصحافة السعودية وغيرها، كان العنصر المهيمن هو الدفاع عن الذات والعنوان، وليس مجادلة الأفكار او نقدها. لم ار مقالا واحدا يوضح اسباب رفض الرافضين للدولة المدنية، ولم ار مقالا - في المقابل - يوضح اسباب رفض الطرف الثاني للدولة الدينية. افهم ان مقالات الرأي في الصحافة ليست مجالا مناسبا للتوسع في شرح الاراء ومناقشة الموضوعات المعقدة. لكن هذا سيكون في محله لو كانت القضايا مورد الجدل تناقش في مواضع أخرى. الحاصل فعليا ان الصحافة لم تنشر اي شيء يوضح تفاصيل هذا الموضوع او ذاك.

ومن هنا كان المتجادلون يتحدثون عن مفاهيم مختلفة. هذا يدعو لدولة دينية لها مفهوم غير الذي في ذهن الآخر، وذاك يدعو لدولة مدنية بمفهوم غير الذي يعرفه الأول. انه - بعبارة اخرى - اشبه بحوار طرشان، يسمع كل متحدث صوته ولا يسمع الآخر. اما السبب في جريان النقاش على هذا النحو فهو كثافة الاستقطاب الحزبي والتياري في بلادنا. ثمة فريق اعتبر كل دعوة للدولة الدينية دعما للاخوان والتيار الديني المتشدد، بينما اعتبر الفريق الآخر ان كل حديث عن الدولة المدنية هو دعم للاتجاه الليبرالي المعارض. وهم لا يقولون هذا صراحة. فالتيار الديني يتهم دعاة الدولة المدنية بالعلمانية والتغريب والعمالة للاجنبي. والتيار المعارض له يتهمه بالتطرف ومحاولة اعادة المجتمع الى القرون الوسطى.

ولهذا لم نستفد من ذلك الجدل، كما لم نستفد من معظم جدالاتنا السابقة.

بعد هذا الاستطراد اعود الى سؤال: هل يمكن تطوير مفهوم لدولة مدنية حديثة على ارضية القيم الدينية؟. الجواب ان ذلك ممكن بقراءة حديثة للنص والتجربة الدينية، تلتزم بالقيم الدينية والانسانية الكبرى، وليس باجتهادات السابقين وتصوراتهم. ابرز القيم التي تستهدف الدولة المدنية تحقيقها هي تمكين الانسان من السيطرة على اقداره وصناعة حياته على الوجه الذي يحقق سعادته. وأبرز الوسائل التي تتوسل بها لتحقيق هذه الغاية هو إقرار الحريات المدنية، جعل المجتمع سيدا للدولة، والتعويل في كل ذلك على نظم ومؤسسات قانونية معيارية. بديهي ان مثل هذه الأهداف والوسائل لا تتعارض مع اي قيمة دينية.

مواضع التعارض المدعاة جاءت غالبا من اجتهادات فقهية تتعلق بجزئيات وموارد فرعية، مثل: هل نعتمد في وضع القانون على النص الديني ام اجتهادات الفقهاء ام البرلمان. ومثل هل نختار الولاة والحكام بالانتخاب او اختيار اهل الحل والعقد او التغلب. وثمة موارد اصغر من هذه لكنها تثير جدالات اكبر، مثل حرية الاعتقاد والممارسة الدينية لغير المسلمين في بلاد الاسلام، ومثل مدى تدخل الدولة في حياة الناس الشخصية، ومثل عمل المرأة ومساواتها مع الرجال والزامها بالحجاب.. الخ.

لقد قيل كلام كثير في التعارض بين الاسلام والديمقراطية واستحالة التواؤم بينه وبين الدولة المدنية. لكن هذه الدعاوى كلها مبنية على التصور التراثي للاسلام، وهو غير مفيد في هذا العصر ولا هو ملزم للمسلمين المعاصرين. كما انه متأثر بالصراع السياسي بين الاسلاميين ومنافسيهم، وهي مبررات لا تكفي لمعالجة قضية بهذه الاهمية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.