آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 11:04 م  بتوقيت مكة المكرمة

حيثُما نُحِبْ يَكُنْ بيتنا!

حسن السبع صحيفة اليوم

يبدو أننا لا نحِنّ إلى الأماكن لأبعادها الهندسية، أو لأُبّهتها وفخامتها، وما تحويه من سبل الرفاهية، وإنما لدوافع أخرى. فقد تُقدِّم المدنُ لسكانها خدمات ووسائل ترفيه لا يستطيع الريف تلبيتها، ومع ذلك، يوجد حنينٌ غامض دفين إلى حياة الريف. وفي كتابه «جماليات المكان» ينقل باشلار نصا للشاعر الألماني ريلكه يعبِّر فيه عن خوفه من العواصف في المدن، والألفة معها في الريف. فيقول مخاطبا حبيبته: «هناك تقفين في وسط الحديقة المزمجرة، أو على الأقل تقفين وراء النافذة لتهلّلي للأشجار العتيقة الغاضبة التي تتلوى وتدور وكأنها مسكونة بالأرواح...» إنها حالة من الحب والاطمئنان للمكان القديم.

حين عصف الحنين بميسون بنت بحدل الكلبية إلى بيتها القديم في البادية، كانت الأرواح، كذلك، هي مصدر ذلك الحنين: «لَبَيْتٌ تخفقُ الأرواحُ فيه/ أحبُّ إليّ من قصرٍ منيفِ» معنى هذا أن المكان بمن فيه، وليس بما فيه. ولا معنى للمكان بعيدا عن الإنسان الذي يضيء المكانَ بوجوده؟ لقد حنَّت ميسون إلى طفولتها وأترابها وأناسها وذكرياتها. حتى أصوات الرياح هناك، كما تقول، أعذب من نقر الدفوف، وهو ما يذكرنا بقول السيّاب «حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق»!

سأمزج الجد بالهزل فأقول: إذا كانت ميسون بنت بحدل قد سئمت قصرها المنيف، فقد تجد من هي على النقيض منها. أي من تشكو الحال لأنها تسكن بيتا متواضعا، كما في هذه الحلمنتيشية: «بيتٌ صغير شكلـُه بائسٌ/ من عهدِ عادٍ، ربما، أو ثمودْ/ شاركني فيه «عريسُ الضّنىَ» / منتّـفٌ حافٍ قليلُ النقودْ/ فليتـه لمـّا أتى خاطبـاً/ قـابلـه والـدُنـا بالصدودْ/ أو أوصد الأبوابَ في وجههِ/ أو صعَّد المهـرَ لكي لا يعودْ/ أو ليت «هاموراً» أتى قبله/ ثروتـه ليس لها من حدودْ/ فانتشل الدرّةَ من حفرةٍ/ مظلمةٍ موحشةٍ كاللحودْ/ أسكنني قصرًا منيفَ البِنَا/ وطوَّق الجيدَ بأغلى العقـودْ»!

وعلى النقيض أيضا من تلك الأماني النفعية، والتصورات الساذجة عن السعادة، يقول هولمز: «حيثُما نُحِبْ يَكُنْ بيتنا، إنه بيت تبارحه أقدامُنا، وتبقى فيه قلوبُنا». نعم، بدون ذلك الحب يصبح المكان منفى وليس بيتا. وعلى النقيض من تلك الأماني النفعية، يقتبس باشلاز في حديثه عن «الألفة الدافئة» نصا لأندريه لافون: «أحلم ببيت منخفض، نوافذه عالية، وثلاث درجات متآكلة ملساء وخضراء، بيت خفي فقير، كما في الصور الفوتوغرافية العتيقة التي تعيش في داخلي فقط، حيث أعود إليه أحيانا، لأجلس وأنسى النهار الرمادي والمطر».

وإذا جاز لي أن أحاكي عبارة امرئ القيس: «وحَسْبكَ من غِنىً شَبعٌ وريُّ» أمكنني القول: وحسبك من المكان أن يكون مرتبا ونظيفا وهادئا وبسيطا وتتوفر فيه متطلبات العيش الأساسية. لكن قبل ذلك كله: حسبك من المكان أن يكون دافئا، بالمعنى المجازي للدفء؛ أيْ دفء العلاقة الإنسانية التي قد لا توفرها القصور المنيفة.

هذه ليست دعوة للزهد، وإنما تأكيد على أن الإنسان بشخصه، وليس بما يملك، وأن الجمال، أو القبح، في عين الرائي. وبعد: سأختتم هذه السطور باقتراح غير مُلزِم، لأنه مجرد دعابة، فأقول: على الشاب الذي يتهيأ لدخول عش الزوجية، وهو على «قد الحال»، أن يُقنعَ خطيبته بقراءة أدبيات مشابهة لهذا المقال، فإذا لم تطلب فسخ الخطوبة فتلك بداية طيبة!