آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 6:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

سورية بين خيار دايتون والحرب الأهلية

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الاقتصادية

هذا شهر عصيب. سجل تاريخ العالم تحولات جذرية بدأت أو اكتملت في شهر تموز «يوليو». تقول النكتة المتداولة في العراق إن دماغ الناس ''يولع'' بسبب شدة الحرارة في تموز «يوليو». تذكرت هذا وأنا أتامل مسار الأحداث في سورية الشقيقة.

خلال الشهور القليلة الماضية بدا أن النظام القائم لم يعد له موقع ضمن المنظومة الإقليمية. استمراره سيكون عبئًا على المنطقة بمثل ما هو عبء على شعبه، علاقة سورية بمحيطها تدهورت تمامًا، هذا لا يستثني حلفاء النظام السوري البارزين مثل روسيا والصين وإيران والجزائر، فهذه دول معنية - في نهاية المطاف - بمصالحها لا بالأشخاص الحاكمين. ما يقال عن علاقة ''خاصة'' بينها وبين شخص الرئيس أو غيره من أهل الحكم في دمشق هو من نوع ''سوالف المجالس'' التي تقارن العلاقات بين الدول بالعلاقات بين الأشخاص. حقيقة الأمر أنه ليس في السياسة عواطف، بقدر ما هي لعبة مصالح. كبار اللاعبين في الأزمة السورية يعرفون أن أي حليف في حاجة إلى تعويض كي يغير موقفه. أما أن يجبر على التضحية بمصلحته أو أن يجدوا له تعويضًا من نوع ما، هنا أو هناك.

هل نتوقع حلاًّ نهائيًّا للأزمة السورية في هذا الشهر العصيب؟

في أوائل العام الجاري كان الاعتقاد السائد أن سقوط النظام أصبح محتومًا، لكن ثمة تبدلاً في مكونات المشهد تؤثر بشدة في مسار الصراع، أشير هنا إلى أربعة عناصر:

1 - تراجع الدور الكردي في الثورة، ولهذا علاقة جوهرية بالموقف التركي وبالتواصل الممكن مع كردستان العراق كقاعدة خلفية للثورة.

2 - تراجع الدور السياسي العربي في إدارة الأزمة لمصلحة الدور الأوروبي - الأمريكي، ولهذا علاقة بحل محتمل وفق نموذج اتفاق دايتون الذي أنهى الحرب الأهلية في البوسنة.

3 - تفاقم العمليات المسلحة من جانب السلطة والمعارضة، بما ينطوي عليه من إمكانية بروز ما يشبه إقطاعيات مسلحة شبيهة بما كان عليه الوضع اللبناني قبل 1991.

4 - إخفاق المعارضة السورية في إنشاء قيادة بديلة يمكن أن تقدم التزامات مقنعة في مرحلة انتقال السلطة مثلما حدث في ليبيا واليمن مثلاً.

هذا لا يعني نهاية الثورة، ولا يعني أن النظام أصبح أكثر قدرة على الاستمرار، لكنه يعني بالتأكيد أن السقوط الحتمي للنظام لم يعد احتمالاً وحيدًا أو قريبًا جدًّا.

أظن أن الساحة تشهد اليوم سباقًا محمومًا بين خيارين:

أ» تفاقم الخيار العسكري كوسيلة مرجحة على التظاهرات الشعبية السلمية، وبالتالي فتح الباب على مصراعيه أمام حرب أهلية واسعة أو محدودة أو

ب» قبول جزء مؤثر من المعارضة بتشكيل حكومة جديدة تشارك فيها بعض أطراف الحكم القائم إضافة إلى القوى الصامتة. هذا يعني إعادة صوغ المشهد السياسي السوري، بتصنيف القوى طبقًا لانتماءاتها الرئيسة «عربي، كردي، مسلم، مسيحي، علوي، درزي، إسماعيلي، تجار، عسكر، أحزاب... إلخ» وإشراكها جميعًا في تشكيل سياسي يقيم ما يشبه حكومة توافقية وليس حكومة أكثرية. بعبارة أخرى فإن الأمور قد تتجه إلى حكومة يقودها ما يشبه ''مجلس الحكم'' الذي أدار العراق بعد الاحتلال، أو مجلس الرئاسة الذي أدار البوسنة بعد الحرب الأهلية. وفي كل الأحوال سيكون النظام الجديد تحت وصاية الأمم المتحدة وبضمان الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، أي أن الحل سيفرض من الخارج.

يبدو لي أن المبرر الرئيس لهذا الخيار هو تخوف جيران سورية والدول الكبرى من انهيار تام للدولة يمهد الطريق لفوضى عارمة قد لا يمكن السيطرة عليها خلال وقت قصير.

لا أدري أي الخيارين سيقود المسار، لكني أشعر أن شهر يوليو الجاري قد يشهد نقطة الحسم بين خيار دايتون أو الحرب الأهلية.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.