آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 1:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفرد وحق الاختيار

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

عادةً ما تثير علاقة الفرد بالجماعة أسئلةً ونقاشاتٍ فلسفية كبيرة، إذ يدور الحديث عن حدود تحكم الجماعات بالأفراد، وحق الفرد في الاختيار بعيداً عن سطوة الجماعة. الجماعة هنا على الأغلب هي الجماعة العضوية، التي ينتمي لها الإنسان بالولادة، ولا يختار انتماءه لها، مثل القبيلة، والنقاش دائماً هو حول حق الفرد في اختيار ما يتضاد مع أعراف جماعته وما اعتادوه، وماذا يكون موقف الدولة وأجهزتها في هذه الحالة، إذ يفضّل البعض ترك الجماعة تحكم الأفراد بأعرافها، تاركاً المسألة للتدافع الاجتماعي، وتغيُّر الأعراف مع الزمن، لكن دور أجهزة الدولة يتمثل في حماية حق الأفراد في الاختيار، ولو تناقض ذلك مع أعراف الجماعة.

إذا تناولنا مسألةً مثل الزواج، وتحدثنا عن حق الأفراد في الاختيار بعيداً عن سطوة أعراف الجماعة، فإننا سنصل إلى دورٍ مهم تلعبه أجهزة الدولة في حماية حق الأفراد في الاختيار، فالدولة الحديثة تحمي الفرد من تغوّل الجماعة، وهذه إحدى أهم مسؤولياتها، فإذا أراد الفرد الزواج بطريقة لا تتناسب مع أعراف الجماعة، أو في ظل اعتراض بعض أفراد الجماعة بحججٍ تتعلق بالعادات والأعراف، فإن دور أجهزة الدولة الحديثة أن تنتصر لحق الفرد في اختيار ما يلائمه، وألا تسمح للجماعة بأن تفرض على الفرد رأيها في الزواج الذي يخصه هو وشريكه، طالما أن القبول قائم في الزيجة بين الشريكين.

من يتحدثون عن تغييب دور أجهزة الدولة الحديثة في هذا الشأن، وتركه للتدافع الاجتماعي، والتفاعل بين أبناء الجماعة، كجزء من حديثٍ مستمر عن تغييب دور الدولة التحديثي لصالح الجماعات الأهلية، لا يتجاوزون فقط الدور الذي من المفترض أن تلعبه الدولة لحماية حرية الفرد في الاختيار، ولا يتركون الفرد فريسة تسلط جماعته عليه وحسب، بل أيضاً يتغافلون عن أن الزواج بصيغته الحديثة هو أمر في صميم عمل الدولة الحديثة، من خلال الاعتراف به وتوثيقه قانونياً، وما يترتب على هذا التوثيق من حقوقٍ أساسية لأفراد الأسرة المتولدة من الزواج، بما في ذلك تقديم الخدمات الأساسية للأولاد الناتجين عن الزواج، ولا يمكن فهم المطالبة بإخراج الدولة من قضية الزواج، ثم مطالبتها بتحمل المسؤولية تجاه ما ينتج عنه.

الانتصار لحق الفرد في الاختيار لا يعني تهشيم الجماعة، أو عدم احترام ثقافتها، لكنه يعني أن للفرد الحق في أن يختار الخروج على أعراف جماعته، وأن يتمتع بالحماية من قبل أجهزة الدولة حين يمارس هذا الحق، ولا يمكن فهم منطق الدفاع عن قمع اختيار الفرد فيما يخصه باسم الدفاع عن الجماعة، أو الحديث عن التدافع الاجتماعي، الذي نعرف أنه لا يحدث بشكل عفوي، بل ضمن تراكمات تسهم فيها قوى تحرك عجلة التغيير، أهمها أجهزة الدولة.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“