آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 6:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

أجنحة الأحلام

حسين نوح المشامع

سعيد، اسم يوحي بالسعادة والحبور. ويجعل المتعامل معه، يشعر بالمحبة والقبول. ولا يتغير هذا الإحساس، إلا بعد المخالطة وطول التعامل. ولكن هل هو سعيد فعلا، كما يوحي بذلك اسمه، ومقتنع بما عنده ومكتفي! أم هو كما البعض منا، يأخذه الحماس بعيدا، ويحمله التفكير لما وراء الواقع، وتجبره أحلام اليقظة، على ركوب أجنحتها..

التف حوله بعض الأخوة من جنسيات مختلفة، ولا يعرف إذا كانوا عن سابق معرفة وتمحيص، أم هي ضربة حظ. التفوا حوله كما تلتف الثعابين على فريستها، لتشعرها بلطافة ملمسها، ودفئ حضنها، فتهدأ وتستسلم لقدرها.

محاولين جره معهم في صفقة العمر. قالوا له: اخترناك من بين الآخرين، لصدق تعاملك، ولحسن سمعتك بين الناس. واخترناك لخبرتك الواسعة، في التعامل مع الدوائر الحكومية.

انتفخت لذلك أوداجه وانتشت، كما ينتشي البالون ويحلق في الهواء، لنفخه بهواء ساخن. غمرته الفرحة، وملأت الابتسامة صفحة وجهة، واحمرت وجنتاه خجلا.

عرضوا عليه مشروعا تكلفته «400» مليون، وبحسبة بسيطة، نصيبهم من العلمية 10% حسب قولهم، فتكون حصتهم «40» مليون، توزع بينهم بالتساوي.

وزعها كما رأى أمامه، على ثلاثة أشخاص، فكان نصيبه لا يقل عن «13» مليون. مبلغ مغري للغاية، ويسيل له اللعاب. فلم يستطع المقاومة، ولم يتمكن لهول الصدمة، من معرفة كافة التفاصيل.

أخذت المشاريع المستقبلية، والأحلام الوردية تخرج من رأسه، وتطفو أمام عينيه، كما يطفو الزبد على وجه الماء. اخذ يوزع العطايا، كما يوزع الابتسامات. ويفرق الوعود، على القريب والبعيد.

هناك اسأله كثيرة لم تأتي له على بال، لحجاب المال السحري الذي غطى على بصيرته.

أولها كيف وصل لأيديهم هذا المشروع؟

المشروع لم يصل لأيديهم، بل هو فعلا بين أيديهم. فهم يعملون في دائرة طرح المشاريع، ومتابعة تنفيذها، وفي المصلحة التابعين هم لها. ولكن الرغبة في الربح المريح والثراء السريع، أوصلهم إلى ما عليه.

قالوا له بعد أن اتضحت المعالم، وعرف كل منهم صاحبه: نريد منك تعريفنا على مقاول ينفذ المشروع، ويضمن لنا نصيبنا من الصفقة.

وبطبيعة عمله، ولعلاقاته الممتدة والمنتشرة، استطاع دون عناء، العثور على ذلك المقاول.

وبعد مشاورات مطولة، وجلسات لا حصر لها، ومعلومات أعطيت، وأخرى استخرجت، تم الاتفاق مبدئيا على كل شئ، ولم يبقى إلا استلام المشروع.

في اليوم المضروب لاستلام أوراق المشروع، وصولوا فرحين مبتهجين لمزاولة عمالهم، وتجهيز المطلوب ولتنفيذ الاتفاق. فهذه ولادة أمل، وانبثاق فجر جديد، في مستقبل حياتهم.

ولكن لخيبتهم، ولسوء نياتهم، وجدوا المقول المذكور، يجلس بجوار رئيسهم المباشر.