آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 4:23 م

عزلة رمادية

عبد الوهاب العريض * صحيفة الشرق

اليد التي امتدت إلى السماء وأخذت الغيمة في جيبها، كانت تصارع الذاكرة والليل وما تبقى من الأحلام، كانت تركض وحيدة في الحقول تحاول الفكاك من أسر القيود والطريق.

هكذا يستدعي المخيلة التي تسحب يقظتها كل نهار، يذهب إلى أعلى السفوح وحيدا، ينظر في العيون المحدقة ويرى ذاته في أقدام عارية تدخل في «العربة المذهبة»، وسهولة الليل التي حملتها على جسد الوقت، أخذ الليل من جبين الجبل، راح يطرق الأبواب في محاولة للخروج من القدم «الراقصة». وحدها الأحلام المزركشة في تلك «العربة» تعرف مهية الخروج من مأزق الجسد، والرجال الذين وقفوا على قارعة الطريق بوجوه شاحبة يلوحون بيد من سراب.. بقوا يلوحون بمفاتيح لأبواب تنتهي بسياج من حديد.

كانت الأحلام تأخذ الطريق وتهرول بعيداً بحثاً عن تلك المرأة التي نسيت معطفها في مقهى، كان أحمر صنعته الأحلام بيديها ولكن الروح ظلت تسكن في قلب الطفلة.. ومن بين الطرقات خرجت الأحلام من صناديق سوداء مغلفة بأقمشة حريرية، يتم تقديمها على مائدة العظماء.

**

الذئاب وحدها تتعفف على الجثث ولا تذهب إلى دماء متخثرة في تربة متعفنة، والطفلة الحالمة رافقت الذئب ولم يكن «الجوع الروحي» رفيقا لهما.. كان الجبل أكثر قرباً من تلك الصحراء القاحلة، وما تلك الأمطار والأكواخ إلا بيوت آمنة للذئاب حينما تعوي في عتمة الغابة. حيث «تتبع.. مساراتها التي تخترق الثلوج المتراكمة»

**

المفتاح الذي كان ملقى على قارعة الرصيف لم يكن سوى «فخ»، يلقيه المارد قبل الانقضاض على جسد «الروح»، وما كان من الليل سوى حالة جوع للحياة والإحساس بأن هناك شمسا مشرقة تخلف تلك «العتمة الباهرة».

**

الرياح والرمال والطرق الممتدة بين غابة الروح والنفس المؤتمنة داخلنا تحمل شيئا من الطفولة البريئة، نخرج خلف عتبات الغيم، ونرفع أيدينا للسماء مترفقين بالمطر حينما يلامس وجوهنا، نغتسل من ألم الليل، نبحث عن ضجيج نسوة اتخذن من الأجساد مساكن لهن، ونسير خلف الحدائق و«فخاخ الرائحة». ربما نبحث عنها في حكايات الجدات وذات «الحذاء الأحمر»، ويصادفنا «ذو اللحية الحمراء»، الذي خرج من عباءته «الزرقاء»، لكنها حكايات وأساطير تدخل في أعماقنا، تهز شيئا منا وتغير بعضا منا، ولكنها تسير على وفرة الجبال وحدها دون أن تستدير للوراء والوجع.

**

كلما أيقظتنا فتنة السؤال ذهبنا إلى راحة اليد في الأوراق الصفراء بحثاً عن النسوة اللاتي خلفتهن الذاكرة، نسوة أسرجن البحر والخيل وصعدن السماء لتبتلعهن الغيوم ويتساقطن على وجنة الهواء حكايات في الكهوف..

أي ربيع هذا الذي قتل «الجوع» فينا، وما كان خلفه سوى غرائز مثقلة بالفخاخ، لندخل في مواسم عزلتنا نبحث عن ألوان البهجة، وربما يأخذنا «الأحمر» إلى حذاء الطفلة فنعلقه «قلادة» على صدر اللوحة.