آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 2:13 م  بتوقيت مكة المكرمة

ليس حباً في الوظيفة، ولكن رغبة في التوظيف.!

بلقيس علي السادة

قبل أيام كنت مدعوة لحفل تخرج ابنة أختي من المرحلة الثانوية، كان حفل عفوي بهيج اعتنى بالفئة المعنية «الخريجات»، ولم يُستقطع الجزء الأكبر من وقته، وميزانيته، وجهد القائمين عليه لتكريم المسؤولين في إدارة التعليم وغيرها والبهرجة كما هو ملاحظ في احتفالات التخرج مؤخراً، لم يكن هذا أكثر ما لفت انتباهي؛ فما لفتني في الحفل وحرك شيئاً بداخلي قبل قلمي، هو وجود عرض مرئي حال السلام وتسليم الشهادة لكل طالبة يحتوي على صورتها الشخصية، وهوايتها، وطموحها المستقبلي.!، نعم طموحهن المستقبلي مع التأكيد والتشديد ووضع خطين أحمرين عريضين تحت نون النسوة.!

وربما لأن مستقبل الناس هنا يقوم على مبدأ «يا تلحق يا ما تلحق»، ولمحدودية فرص التوظيف والتخصصات المتاحة للإناث؛ فإن الغالبية العظمى من الخريجات كان طموحهن طبيبة أو ممرضة؛ فالناس تتحرك وتفكر غالباً في حدود المتاح لا في الطموح والمأمول.!

فلو أتيحت الفرصة لأمهات الطالبات الحاضرات للحفل عندما كن في أعمار بناتهن ستقول كل واحدة منهن بأن طموحها أن تصبح معلمة مستقبلاً؛ فوقتها لم يكن هناك شيء آخر متاح غير هذا إلا لمن رحم ربي، ولم يكن هناك حفلات تخرج أصلاً ليفكر أحدهم في سؤالها عن طموحها، وكان التمريض والطب عيب وحرام و«سواد وجه» عند السواد الأعظم.!

الأمهات حرمن، ووفرن ذلك لبناتهن، وربما توفر بناتهن الهندسة وغيرها لحفيداتهن.. من يدري.!

في مجتمع تحكمه التقاليد ويسوء فيه التخطيط ربما كان على الأم أن تولد في زمان ابنتها إن كان طموحها الطب أو التمريض أو غيره، وعلى البنت أن تولد في زمان والدتها إذا كان طموحها التدريس.!

فلا غرابه مع وجود هذه العقلية المتخلفة التي حرمت أجيالاً بأكملها من حقهن في الاختيار أن تسوء الخدمات في مدارسنا ومستشفياتنا وغيرها من القطاعات؛ وقد يكون واحداً من أهم الاسباب وجود مدرسات وطبيبات وممرضات وغيرهن اخترن مجالهن لا حباً في الوظيفة ولكن رغبة في التوظيف، ومن لا يحب لا يعطي ولا يبدع ولا يطور ولا يتطور كمن يحب إلا من رحم ربي.

للمجتمع ووعيه دور مهم في التغيير، وتبقى السياسات هي المحرك الأكبر للناس وخياراتهم؛ فلا لوم نحمله إن فكر الناس الذين لا حول ولا قوة لهم في حدود المتاح وداخل الصندوق المغلق، اللوم كل اللوم على من أغلق الصندوق ومن يقع على عاتقه التخطيط للموارد البشرية؛ فمن غير الانصاف أن يبقى الحال على ما هو عليه وتتكرر ذات الأخطاء وتورث جيلاً بعد جيل.

الفرص المتاحة في زمن الأجداد لم تعد متاحة في زمن الآباء والأبناء، وكان الله في عون الأحفاد إن استمر الحال على ما هو عليه من التكدس في مجالات محدودة لا خيار لأغلبهن سواها.

ولأننا لم نكتفي من لدغة واحدة أخشى ما أخشاه أن يأتي اليوم الذي نرى فيه الطبيبة «كاشيرة» كما يحدث حالياً لأختها المعدة للتدريس _كما يحلو للبعض تسمية الخريجات الجامعيات_ والممرضة عاطلة في المنزل لا شغل لها سوى قياس ضغط الدم والسكر «لأبوها العود» وتدليك كتفه وذراعيه.