آخر تحديث: 7 / 12 / 2019م - 11:58 م  بتوقيت مكة المكرمة

تجارة التفاؤل

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

يمكن للمرء ألا يكتفي بكونه متفائلاً أو إيجابياً، إذ إنه يستطيع تصدير هذا التفاؤل كبضاعة يبيعها على الناس. يمكنه أن يكتب كتاباً عن أهمية التفاؤل في الحياة وضرورته، وعن فعالية التفاؤل في تذليل الصعاب، وتحقيق المنجزات والمعجزات، فبمجرد أن يصبح الإنسان متفائلاً تنفتح الأبواب أمامه. يمكن أيضاً أن يقدم المرء برنامجاً تلفزيونياً عن التفاؤل، يدعو فيه إلى نشر الطاقة الإيجابية، ويعدد فوائد هذا الأمر للفرد والمجتمع، ويغدو نجماً إعلامياً يشار له بالبنان، لأنه أعطى للناس جرعة أمل في الخلاص من بؤس واقعهم وتغييره، عن طريق التفاؤل والإيجابية. بغض النظر عن أهمية التفاؤل فعلاً، وضرورة ألا يفقد المرء الأمل، لابد من الإشارة إلى حجم المتاجرة بهذه المعاني، للتكسب من ورائها، وتقديمها سلعةً يبحث عنها كثير من الناس لتخدير أنفسهم بوهمٍ جميل، بدلاً من شحن أنفسهم بالإيجابية الدافعة إلى العمل والمثابرة لتغيير واقع الحال.

تسليع التفاؤل والمتاجرة به، لا يتوقف عند كتبٍ وبرامج تلفزيونية تبتذل معنى التفاؤل، وإنما يتعدى هذا الاستخدام إلى استعماله في تحليل ظواهر أو أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، أو ترويج أمور في هذه المجالات باسم التفاؤل. يُفترَض بالمرء في هذه الحالة أن يبيع الوهم على نفسه والآخرين، ويتلذذ بخداع الذات الذي يمارسه باسم الإيجابية، فهو يتفاءل دون أساس لهذا التفاؤل، فلا معطيات تسنده، ولا تجربة تاريخية تؤشر لنتاج يدعو للتفاؤل. لا يدور النقاش حول معطيات المسألة والمحاججة حولها، بل يصبح حديثاً من نوع «لا تكن سلبياً»، وهو حديث يراد منه مواجهة الروح النقدية والتدقيق الموضوعي في السياقات والمعطيات القائمة، لنتحول جميعاً إلى بلهاء، نردد الكلام عن الإيجابية والتفاؤل، وكأن هذا يكفي لحل إشكالاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

يحول هذا التوجه التفاؤلي كل نقد موضوعي رصين إلى تثبيط وسلبية، ومع التسليم بأن الناس يحتاجون إلى جرعات من التفاؤل في أوقات الأزمات وتزايد المشاكل والمخاوف، إلا أن استثمار هذه الحاجة في ضخٍ ترويجي للتفاؤل، للتلاعب بعاطفة الناس، في ظل مناقضة المعطيات وظروف الواقع لهذا التفاؤل، قد تجعل هذا النوع من نشر التفاؤل تضليلاً يُعمي كثيرين عن الواقع، ويقودهم إلى قراءة خاطئة له.

التفاؤل دافعٌ لارتفاع المعنويات من أجل الاجتهاد في العمل، لكن أن نتفاءل دون أن نبني تفاؤلنا على مؤشر واضح، يعني أننا ننحي عقولنا جانباً، ونترك لعواطفنا مهمة التحليل والاستنتاج، وقد نساهم في ترويج أوهام بحجة التفاؤل والإيجابية، وخوفاً من وصمنا بالسلبية، مع أن سلبيةً تُفتّح الأذهان على الواقع، خيرٌ من إيجابية تبيع السراب.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“