آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 10:41 ص

لاجئ عاطفي في جمهورية القلق

هادي رسول * صحيفة الوسط البحرينية

يعسفُ به تعقيد الواقع. يستبدُّ به نظام الحياة. يرزح تحت وطأة «جلافة العقل» والعلاقات المنطقية. تجلده سياط الوعي بعنف، وتقيّد ذاكرته الهموم الحياتية فتحبسه في سجن ينازع فيه الوهم خلف قضبان المنغصّات التي تصادر حقه في ممارسة المخيلة بحرية، حتى إذا شكّل عبئاً على ذاته يلجأ عاطفياً إلى جمهورية القلق.

الشعر منفاه الذي يمنحه تأشيرة الدخول والإقامة في جمهوريته كلاجئ عاطفي، ويتيح له ممارسة هذه الحرية، فيستعيد حقه بالتعبير عن رؤيته المجازية للواقع... فلا يستعيد واقعه وإنما «يحاول أن يظهر العمق الذي يختبئ وراءه»، أو يصنع واقعاً جديداً بمقاسات الحلم وأدوات الدهشة وربما هندسة الفزع!

مجرّد أن يمنحه الشعر هذه التأشيرة للدخول والإقامة في جمهوريته سيكون حراً بالفعل، والإنسان حين لا يكون حراً لا يمكن أن يكون مبدعاً. والحرية التي لا تخلق إبداعاً ليست حرية.

ما يعمل الشاعر؟

سؤالٌ يطرحه قاسم حداد، ويجيب عليه: «يجب أن يكون حراً، هذا شرط يتيح للكتابة التمتع بالفاعلية الشعرية، إذ كلما اتسعت فسحة حرية الشاعر وجمالية أدواته، صارت الحياة أكثر قابلية للعمل والأمل، فالشعر هو ذهاب إلى المستقبل أكثر منه مراوحة في الواقع».

هنا نسأل: بما أن فعل الكتابة هو فعل حرية، فكيف تتحقق هذه الحرية؟

الإجابة على هذا السؤال فضفاضة متسعة لا يمكن أن نحدها، كما هي الحرية تماماً لا يمكن أن تُحَدَّ، كما لا يمكن للشعر أن يضيقَ أو يُغلق في تعاريف عمياء مصمتة، فهو امتدادٌ أثيري في كون اللغة.

ولكن ثمة حرّيات متعددة لممارسة هذه الحرية الشعرية، إن فرّط فيها الشاعر وقع في الأسر، وقيّد خطواته عن أن تتسع وتكبرَ، فضلاً عن أن يمتلك أجنحةً تمنحه حرية التحليق كما يريد له الخيال، وتشاء له اللغة، ويطمح له الشعر، ويشتهي له الفن، ويفوته «الشاعر» حينئذٍ حق اللجوء العاطفي في جمهورية القلق العظمى.

سأقف على حريَّتين من الحريّات التي يتكئ عليها الشعر المتمرّد والشاعر الحر. حريّتان تشكِّلان سمتين بارزتين من سمات الشعر الحديث، هما حرية الكتابة وحرية الشكل.

1. حرية الكتابة

ليست هناك معانٍ ناجزة يقدمها الشاعر في نصوصه، عندما تكون الكتابة بوصفها «حالات تبتكر إعادة إنتاج الذات» كما يصفها حداد. هذه الكتابة «شأنٌ شخصي حميم»، و» خطاب ذاتي يمنح به الشاعر نفسه طاقة خفية وغامضة تجعله قادراً على البقاء».

المعاني الناجزة تعني الوضوح التام، والوضوح التام ضد طبيعة الإنسان وحقيقة العالم. يقول أدونيس: «تصوّروا الإنسان أو العالم واضحاً، لن يكون آنذاك أكثر من تسطُح هائل، ولن يكون هناك مكان للشعر». هنا الشعر قرين الأسرار والخفايا والمكتشفات. هو اكتشاف مستمر لجماليات اللغة وأسرار علائقها وألغاز قدراتها وعجائب نظامِها وطاقاتها اللامحدودة.

ليس هذا تبشيراً بالغموض، بل دعوة إلى الإبداع ضد القولبة الجاهزة التي لا تضيف للواقع غير «وصفه وصفاً دقيقاً مُطابِقاً»، يُقَدَّم فيها الشعر تقديم الحقائق المنطقية والواقعية التي لا يمكن أن تنسجم مع العملية الإبداعية المتمرّدة بوصفها فعل حرية. الحرية التي «تتوق إلى الشعر كخطوة أولى في طريق الاستسلام لإغواء النار»، والشاعر الحر مبدعٌ «كفراشةٍ تتوق للثم لسان اللهب» كما يعبرّ إبراهيم الكوني.

كما أنه ليس هناك معانٍ جاهزة، فإنه ليس هناك متلقٍ جاهز أيضاً. افتراض المتلقي من قبل الشاعر هو قيدٌ آخر ينافي العملية الإبداعية كعملية تحرر من القيود. افتراض المتلقي هو خضوع عربي للسلطة، هو قمع لثورة المخيلة، وعسفٌ بحركة التغيير، وإذلال لإرادة حرية الإبداع.

المتلقي أو الآخر «بالنسبة إلى الشاعر ضرب من سلطة متوقعة عليه تفاديها لحظة الكتابة. إنها سلطة تتطلب من الكتابة خضوعاً، ولا تعتقد إلا بما يناقض الحرية».

الآخر حين يحضر، فإنه يحضر لحظة القراءة كفعالية بالغةٍ، تعدد الانتاج «الآخر يحضر لحظة تأويل النص، التأويل الذي يصفه الدكتور عبدالسلام المسدي أنه «حوار جَدَليّ مع النص»، لا سلطة عليه. من هنا جاء رأي أدونيس بأنه «يقتضي من القارئ أن يكون هو الآخر خلاقًاً - شاعراً آخر». ولا تتحقق هذه الشعرية من المتلقي إلا إذا «أتاح لذاته المشاركة الفعلية في إعادة اكتشاف المعاني، وتشغيل ورشة إنتاج الدلالات، وتنشيط مخيلة التأويل بحيث يكتسب النص حيويته».

2. حرية الشكل

من الغرائبي جداً، ونحن في القرن الحادي والعشرين، أن لا تزال هناك فئات مهووسة بالشكل تحاول أن تمارس سلطةً على المبدع، وإن كانت هذه السلطة ليست نافذة، لكنها منفّرة، وفجّة وصوت نشاز يعلو كلّما صعدت تجربة إبداعية مختلفة، وطرقت باباً جديداً، ونأت بنفسها عن السائد متجاوزةً الموروث.

الفئات التي تقترح أو تفرض أن يكون للشعر شكل محدد في قوالب وزنية محددة، وكأنّما في أعناقنا بيعة للخليل بن أحمد الفراهيدي تلزمنا باعتناق الأوزان الخليلية كديانة شعرية، الخارج منها كافرٌ بالشعر، وأنها الدستور الشعري الذي ينبغي على سلالة الشعراء الالتزام به واتباعه حذو القذّة بالقذة، معللين بذلك إلى الموسيقى الشعرية التي تقترحها الأوزان الخليلية، مهملين بذلك إيقاع اللغة الساحر الذي تتشكل منه الكتابة الأدبية التي يبتكرها المبدع ويكتشفها المتلقّي المبدع أيضاً.

ولو استحضرنا أحد تعاريف الشعر الذي يتم تعريفه من قبل بعض هذه الفئات والذي يعرّف الشعر بأنّه «الكلام الموزون المقفى»، فإننا نقف على سطحية هذا التعريف للشعر - الشعر الذي لا يقبل أن يكون مسطّحاً خالياً من الأبعاد والعمق - هذا التعريف المعاق والمصاب بداء الشلل الذي لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، فضلاً عن أن يدافع عن جمالية الشعر وحقيقته الإبداعية، لأنه تعريفٌ فاقدٌ في حقيقته وجوهره للجمالية والشاعرية، و«فاقد الشيء لا يعطيه».

وهنا أتفق مع الرأي الذي يقول: إنه لا يمكننا أن نعطي تعريفاً محدداً للشعر، لكني سأقول: إن كل تعبير شاعري مشحون بالجمال ومُكتَنز بسحرِ اللغةِ ومفتوح على اتساع التخييل الذي يمنح المفردات طاقة متفجرة متجددة وممتدة، هو بابٌ مفتوح يمكن أن نلج منه إلى الشعر كأفق ومُتّسع وعالم بلا حدود.

فيما يتعلق بالشكل يلتفت قاسم حداد في كتابه «مكابدات الأمل» إلى لحظة تاريخية يصفها بالباهرة، وهي التفاتةٌ باهرة من قاسم نفسه حين يقول: «ثمة لحظة تاريخية باهرة، يمكنني استحضارها في معرض الحديث عن شعرية الكتابة العربية، فمنذ أن وصفت قريش محمداً بأنه شاعر، وأن القرآن ضرب من الشعر، منذ تلك اللحظة أعلنت السليقة العربية إمكانية خروج الشعر عن القصيدة، وسوف أرى في ذلك الموقف إعلاناً نقدياً ليس من الحكمة التفريط في منظوره أو تفادي احتمالاته الثقافية أو التقليل من شأنه المعرفي، وهو يصدر في أوج التجربة الشعرية العربية المبكرة».

السليقة العربية المتمثلة في قبيلة قريش التي كانت تدرك تماماً، أن الوحي ليس الشعر الذي عرفته وألفته الخاضع لموسيقى الأوزان الشعرية العربية المعروفة والمتداولة، مع ذلك أطلقت صفة الشاعر على النبي، هذه الصفة - بمعزل عن أهدافها وغاياتها - كانت تُعبّر عن قبولٍ ضمني بأن الشعر خارج حدود الشكل، وأن الوزن لا يعد معياراً حقيقياً أو ثابتاً لتصنيف الشعر وتحديده. ومن هنا جاء الوليد بن المغيرة متحدّثاً عن الوحي - الذي تصفه قريش بأنه شعر - فيقول: «إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته».

عباراتُ الوليد إشاراتٌ مشحونةٌ بوصف الطاقة البلاغية في الوحي وإعجازه الإيحائي وعلوّه وفوقيته. الإعجاز الذي تلقّته السليقة العربية شعراً متحرراً من حدود الشكل، متمرداً على الوزن، واثقاً بأدواته الفنية، مخاطباً بدهشته دهشة المتلقي الحر.