آخر تحديث: 14 / 12 / 2019م - 11:35 م  بتوقيت مكة المكرمة

زيارة فلسطين المحتلة

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

توجه الفنان التونسي المعروف لطفي بوشناق، في كلمة قصيرة أثناء تكريمه ضمن فعاليات منتدى فلسطين الثاني للإعلام باسطنبول، بدعوة إلى المثقفين والمبدعين ورجال الأعمال العرب، لزيارة القدس، والاستثمار فيها، وإلغاء فكرة «التطبيع» من عقولنا، لأن القدس أرضنا ولابد أن نستثمر فيها، معتبراً أننا حين نزور السجين فإننا لا نطبّع مع السجَّان. ليست المرة الأولى التي نسمع فيها كلاماً كهذا من مثقف أو فنان عربي، خاصة في الفترة الأخيرة، التي شهدت زياراتٍ عديدة قام بها مثقفون وأدباء وفنانون عرب، وبالذات من الخليج، مبررين ذلك بكسر عزلة الشعب الفلسطيني، والتواصل معه، ومحاولين التهوين من رفض التطبيع، ليعتبروه تجنياً على الفلسطينيين والعلاقة معهم.

لابد من التذكير في هذا السياق بأصل فكرة رفض التطبيع، فهي نابعة من فهم القضية الفلسطينية بوصفها قضية احتلال استيطاني، يراد منه إحلال مجموعة بشرية مكان أخرى بالقوة، وإقامة كيان على أساس هذا الغَصْب وسرقة الأرض وتهجير أهلها، وبناءً على هذا الفهم، فإن التعاطي مع هذا الكيان يجري في إطار نزع أي شرعية منه، وعدم الاعتراف به بأي شكل، ورفض أي تطبيعٍ معه، أي عدم القبول بأن تكون العلاقة معه طبيعية في أي ناحية، ومقاطعته لنزع أي شرعية عنه. ما يقوم به هؤلاء المثقفون والفنانون هو تطبيع، لأنه زيارة لأرضٍ محتلة، تدار من قبل الاحتلال، وتشرف سلطته الغاصبة على معابر ومنافذ الضفة الغربية، ويحتاج المرء إلى إذن سلطة الاحتلال، والتعامل المباشر معها، ليتسنى له زيارة فلسطين، أي أن الزيارة تغدو جسراً للتعاطي مع المحتل بشكل طبيعي في اجراءاته القانونية لدخول فلسطين والخروج منها، بغض النظر عن النوايا الحسنة التي يبديها البعض في هذا الصدد.

أما التحجج بكسر عزلة الشعب الفلسطيني، أو بزيارة السجين لا السجّان، فهو لا يعدو عن كونه تبريراً غير مقنع للتعاطي مع سلطة الاحتلال، فالشعب الفلسطيني ليس سجيناً لفترة مؤقتة، يحتاج لمن يزوره ليسلِّيه، بل يحتاج إلى دعمٍ في معركته ضد الاحتلال، بما في ذلك تفعيل المقاطعة بأشكالها المختلفة، ورفض زيارة فلسطين تحت سلطة الاحتلال، خاصة في ظل التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

تسعد سلطة الاحتلال بهكذا زيارات، ليس فقط لأنها تمثل اعترافاً بالمحتل وتعاطياً مباشراً مع وجوده، وإنما لأنها أيضاً فرصة كبيرة لتجميل وجه الاحتلال، والقول إنه يستقبل الزوار العرب دون إشكالات، ولهذا لا يمكن القبول بهكذا زيارات من كل الأوجه، إذ هي اعترافٌ بالمحتل وتأكيدٌ لشرعيته، ومهما حسنت النوايا عند البعض، فإن المسألة خطيرة، لأنها تصدر من مثقفين ومبدعين، يفترض بهم أن يبثوا وعياً أكبر بالقضية الفلسطينية وأساسياتها، وتكون لديهم حساسية أكبر تجاه أي تطبيع مع العدو، لا أن يساهموا في إلغاء هذه الحساسية.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“