آخر تحديث: 13 / 12 / 2019م - 11:20 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الثلاثي يعيش ازمة إحتواء التحولات

باقر علي الشماسي *

وهو الكونجرس الامريكي والبيت «الأبيض» وتل أبيب.. لقد راهن هذا الثلاثي وخصوصاً البيت الأبيض، منذ مطلع الخمسينات في القرن الماضي حتى اليوم، اما على احتواء الثورات في العالم «النامي» حصرياً او اجهاضها وبطرق غير مباشرة في اغلب الأحيان، لكنه لم يفلح لحد اليوم مئة في المئة، ومازال يترنح ويتعثر في ازمته وهواجسه في احتواء الثورات والانتفاضات، وثورة تونس الحديثة الرائدة ومن ثم ثورة ليبيا ثم مصر الشقيقة الكبرى، وغيرها خير دليل على ذلك. لذلك ربما يطرح البعض هذا السؤال: لماذا لم يفلح هذا الثلاثي في الاحتواء او الإجهاض؟ وهذا سؤال مبرر، والجواب حسب تقديري المتواضع. اولاً ـ لكون هذه الثورات قد جاءت نتيجة وافرازات لتراكمات حقب طويلة من الاستبداد والتمييز الفئوي والاثنيوالمذهبي والطائفي والمناطقي والفساد الاداري، والقمع وتكميم الافواه بالسوط والكرباج والتعذيب والقتل داخل السجون لكل معارض، او ان يعلو بصوته مجلجلاً ومتظلماً يخرسونهاو يغيبوه وراء الشمسبحجة «لنا خصوصياتنا!» كما أنها ليست ثورة عواطف وطنية آنية جامحة لمجموعة عسكرية لاتمتلك مشروعاً مدروساً مثلاً وفي مقدمته سيادة العدالة والديمقراطية بل هملا يؤمنون بتادول الحكم اصلاً. ثانياً ـ هذه التراكمات من القهر والظلم والتعسف حسب المزاجيات المشخصنة وسرق قوت الشعوب والتمتع بها من قبل الاستبداديين في ملذاتهم وفي بروجهم الخياليةنهاراًجهاراً وبعضها من وراء الاكماتوتحت مسميات عديدة، ناهيك عن اختطاف سيادة اوطان هذه الشعوب وتلك على يد العفريت الاجنبي الاكبر ومباركة من مغتصبي السلطة في تلكم البلدان.. هذه الحزمة الضخمة من الارهاصات والعذابات والمعاناة فقراً واذلالاً قد ولدت لدى الشعوب شعوراً ملتهباً وعنيفاً احياناً ضد هذا الاخطبوط الأجنبي الأشرس فتكاً وذيله المذلل حكومة الاحتلال في تل أبيب. لقد جاءت هذه الثورات مجلجلة، والفوبيا والتراجع لايعنيها ولاتعرف الملل ولا الكلل ولا يراودها في ضميرها إلا الطموح والظفر بالنصر للوصول للعدالة.

وفعلاً قد احنت هامات تحمل عقولاً متخلفة، ولوت ادرعاً طويلة مغتصبة اذ ليس في هذه الدنيا لدى الانسان في كل مكان وزمان اثمن من حريته وكرامته ولقمة عيشه. وثالثةالاثافي في مكونات وصناعة هذه الثورات وانتشارها كالنار في الهشيم. هيان البيت الأبيض يقف في التيار المعاكس لكل التحولات والمعطيات والمتغيرات التاريخية المعاصرة بتحد وبعقلية متخشبة تشبه الى حد كبير عقلية جنكيزخان وهولاكو وهتلر وموسيليني، وكأن هذه المخاضات وزمازمها وتحولاتها التاريخية وغضبها الرهيب كل ذلك لايعني النظام الامريكي بشيئ حيث لازال قادته يعتقدون ويعتبرون انفسهم قطباً أحادياً واخطبوطاً لا يقهر! وهنا يكمن الخلل الرهيب في تركيبة عقلية هذا النظام، وهنا ايضا تكمن بداية مشوار تراجعه عن هيمنته على العالم وفي الشرق الاوسط خصوصاً: لا سيما منذ سنوات قليلة حيث اصاب الاقتصاد الامريكي زلزالاً مروعاً، كما وفشل في العراق فشلاً ذريعاً وكذلك في افغانستان، وعودة «الدب الروسي» الى الساحة الدولية كقطب نووي ومنافس خطير على الامريكان، اضف الى ذلك حليف الروس غير المعلن وهو الصين، هذا العملاق الاقتصادي الأكبر القادم «كما يقولون علماء الاقتصاد» والمسمى «بالتنينالاصفر». ناهيك عن ثورة الاتصالات وثورة المعلومة اللتان عجلتا بثورة الشعوب ضد مغتصبي السلطات في كل مكان وضد سياسة «الكاوبوي ثقافة المسدس والبندقية والمعربدة ضد الديمقراطية وضد سيادة الشعوب، والحامي لعربدة اسرائيل والموساد في الشرق الاوسط. هذه العوامل وغيرها مؤشر قوي على تراجع وانكفاء امريكا على نفسها مرغمة وذلك «ربما» في المستقبل ليس بالبعيد كثيراً. كما انكفأت على نفسها «الامبراطورية العظمى بريطانيا» الداهية ـ، بدأ من نهاية الحرب العالمية الثانية 1939م - 1945م حيث دقت هذه الحرب اسفيناً في نعش اقتصاد بريطانيا فانسحبت من الساحة الدولية ولعبتها السياسية ومن ثم سلمت الرآية الى امريكا ورحم الله امرئ عرف قدر نفسه: فصار اسوأ خلف لاسوأ سلف.

والمعروف عن هذا الوريث بانه يحمل جنيناً عدوانياً وهو ثقافة الكاوبوي «المسدس والبندقية» او خضوع الاخر لاوامره وسيادته بالمطلق. فلو ان الادارة الامريكية اخذت من سيدتها سابقاً «بريطانيا الداهية» بعض ذلك الدهاء السياسي لما اقدمت على فعلتها «الحمقاء والاجرامية التاريخية» وهي ضرب اليابان ـ الخصم ـ بقنبلتين ذريتين، واحدة على ناجازاكي والثانية على هوريشيما، حيث قتلت مئات الألاف في دقائق محدودة، هذا عدا آثارها المدمرة الى يومنا هذا على البشر والشجر والحجر: وبذلك قد وصم تاريخ امريكا بالحماقة والمغامرات والمقامرات في اللعبة السياسية في السلم والحرب. وكذلك لو انها أي الادارة الامريكية اخذت ولو قليلاً من دهاء الانكليز لما اهدرت مئات المليارات سنوياً من الدولارات على الكيان الصهيوني، وهي من دماء وقوت الشعب الامريكي الذي يتفاقم فيه الفقر والبطالة يوماً بعد يوم، بدريعة «مكافحة الارهاب؟!» بينما هي ترعى الارهاب وبامتياز عن طريق رعايتهالاسرائيل ام الارهاب في الشرق الاوسط وبالتآمر الاستخباراتي ضد القوى التحررية والديمقراطية والثورية في كل مكان، ولا خبر كالعيانـ كما يقال ـ وهي المشاهد التي امامنا اليوم من تآمر والتفاف واحتواء على الثورة في ليبيا وتونس وهي بداية شرارة الثورات حديثاً في الشرق الأوسط، ثم مصر الشقيقة الكبرى التي لقنت البريطانيين درساً لاينسى في عهد محمد علي باشا 1807م وهكذا جبلت امريكا على ثقافة الكاوبوي. ولا يمكنها ان تنزع جلدها كما يفعل دهاقنة السياسة بين الحين والاخر، اللاعبون بفن وعلوم السياسة الدولية قديماً وحديثاً، بل من غرورها وعنجهيتها السياسية تعتقد بانها لازالت القطب الأكبر والأوحد في قيادة العالم والمهيمنة عليه! وكأنها تتجاهل وجود اقطاباً وعمالقة في الساحة الدولية الذين لا يشكو اقتصادهم زلزالاً ولا ترنحاً، كما يحدث اليوم في امريكا: والاقطاب هم الروس والصين والهند. وربما ستبرز اقطاباً اخرى لاحقاً كفرنسا وباكستان مثلا. ان التاريخ غير ساكن بل يتحرك دائماً بشكل دؤوب واحياناً بطريقة دراماتيكية.

ومن هذه القراءة المتواضعة للاحداث والتحولات بمجملها التوعوي النوعي والاقتصادي وانتشار الثورات في هذه الرقعة من الكرة الارضية، وكأنه الطوفان العصيعلى الاحتواء. مما يعطي مؤشراً قوياً على بداية افول نجم امريكا في الهيمنة على العالم طراً وعلى الشرق الأوسط خصوصاً. وعندئد لن تبقى هذه الشعوب «النامية» هكذا مستهلكة وحسب ولا حول لها ولا قوة وسبحان الذي يغير ولا يتغير. ؤبإذنه تعالى سيندلق الفجر في العدالة والديمقراطية شاء البعض ام أبى.

كاتب وصحفي- الشرقية - القطيف