آخر تحديث: 13 / 8 / 2020م - 6:35 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ورطة الخصوصية

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن السعودية

ورطونا عندما قالوا لنا إننا نملك «خصوصيتنا» المختلفة عن بقية شعوب العالم، وعبارات «نحن مجتمع له وضع خاص» أو «نحن مجتمع لديه عادات وتقاليد» وكأن هذه الشعوب المتقدمة ليست متدينة، وليست لدى شعوبها مقدسات وعادات وتقاليد يحترمونها، نعم مجتمعاتنا لها خصوصية كمجتمعات الإسكيمو وجزر القمر والهنود الحمر، لكن الخصوصية التي نطنطن بها على الدوام هي الشعور بالامتياز والتفوق على الآخرين!

إنني أتساءل: أي خصوصية وقد أصبحنا نتفنن في عرض أحسن التقليعات التي تتمظهر بأشكال ونكهات متنوعة من تتبع الغير وكيل التهم المجانية الجاهزة؟ فلننظر للمشهد بدقة، أي خصوصية نتحدث عنها وهناك من يصدر تصريحا جارحا لمشاعر شعوب منكوبة كما حصل في تسونامي بزعمهم أن ما حصل هو عقوبة من الله نتيجة انحرافهم؟!

أي خصوصية وهناك من يكرس حالة الاحتقان الديني الطائفي بتجريح رمز من رموز طائفة إسلامية بكاملها؟

أي خصوصية وهذا مثقف رياضي في قناة رياضية تفوح في كلماته المتطايرة رائحة العنصرية العرقية؟

أي خصوصية وهذا طبيب نفسي استطاع بحرفية عالية أن يزايد في مواطنته على طريقته، وإطلاقه لعبارات «آه آه.. من الوطنية» التي يشكك فيها أمام الملأ على الولاء الوطني لأهل الشمال والجنوب؟ أي خصوصية وهناك من يتعدى على كافة البشرية كأضحوكة الخطيب التويتري« أهل نجد في الجنة»؟

إنني أتساءل: أي خصوصية تمنعنا من محاكمة من يمارس التمييز الطائفي والعرقي والقبلي بدلا من أن نفتح له الأبواب على مصراعيها، فالبلد للجميع والمواطنون سواء، والفساد والتخلف يصيب الجميع؟!

أي خصوصية تمنعنا من أن تمارس المرأة حقوقها الطبيعية كباقي البشر؟

لماذا هذه الصورة الدونية والنظر لها كمصدر للفتنة والغواية وأن أقوالها وأفعالها شبهة وكأنها متهمة وعليها أن تثبت براءتها؟!

أي خصوصية تمنعنا أن نرفه عن أنفسنا بدل الهروب في كل عطلة مع العائلة إلى بلد سياحي لمشاهدة مسرحية كوميدية أو فيلم في دور السينما؟!

إنني أعتقد أن وهم الخصوصية انطلق من مبررات وأسباب تكاد تكون مكونات أساسية في بنية العقل:

1 - التغني على أطلال الماضي الحضاري العظيم وتصويره بأنه تاريخ أمجاد خال من الصراعات الدموية والعصبيات والنعرات الطائفية والمذهبية، وبالتالي غابت وتعطلت أدوات النقد والتقويم والمراجعة، ولذلك تتكرر نفس الأخطاء باستمرار، وبالتالي لم نستفد من التاريخ بالشكل الصحيح.

2 - الثقافة الأحادية هي جزء لا يتجزأ من وعي الإنسان العربي المسلم على امتداد التاريخ، وبالتالي دائما ما تسمع حديث الفرقة الناجية كدلالة على ثقافة الإقصاء والتهميش، وخصوصا أن هذا الحديث مشكوك في صحته، لكن عندما تقرأ التاريخ تجد أن التمسك بهذا الحديث قد سبب الكثير من الصراعات والنزاعات وسؤال: من هي الفرقة الناجية؟ وها هو المشهد يتكرر الآن وبطريقة «النسخ واللصق».

3 - الفكر التآمري هو ما كرس الخصوصية التي جعلتنا ظاهرة صوتية ضد الآخر الحضاري، بحجة أنه عدو يتربص بنا، وقناعتنا بأننا الذين نحمل الأخلاق العالية والنقـية، بدليل نزاعاتنا الداخلية المستمرة والمبنية على احـترام كافـة الأطياف والمذاهب.. نعـم قالها المتنبي تحـسرا على حال الأمة العربية «يا أمة ضحكت من جهلها الأمم».

إنني أقول أخيرا:

إن تجاوز الجدل حول خصوصية المجتمع يكون في صنع حراك شامل على مختلف المستويات والأصعدة، فالتنوع الذي يزخر به مجتمعنا من مذهبي وقبلي ومناطقي وثقافي، من شرق الوطن إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه يمكن أن يكون مصدر إثراء محلي ينطلق للعالمية.