آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 1:07 م

إلى القصبي في سلفي 2 حلقة 2

السيد أمين السعيدي *

بعد السلام والتحية، فإنّ الحلقة المتطرقة لموضوع الشيعة والسنة في البرنامج المبثوث بشهر رمضان 1437 هـ  - 2016م تمثِّل محطّة جيدة للنقاش والتعليق بألوانه التعددية، ومُثرية للعقول وتفتيح البصائر.

لستُ في وارد الكلام حول النَّمَط الكلاسيكي والدور الكوميدي الذي كثيراً ما يقيِّد الإنتاج والأهداف التي تخنق التحرك بحرية في تمثيل الواقع، وكذا الواقع المرير الذي يَفرض أعباءه على الحراك التمثيلي بمرونة..، إلا أنّ الحلقة بمستوى جرأتها - بلحاظ الواقع السعودي - تُعتبَر قياسية من نوعها؛ ولهذا تستحق أن نقف عندها باهتمام ونقرأها بتأمل جيد ونهبها بعض أوقاتنا من التدبُّر والكلام حولها، وإني شخصياً نادراً أن أكون معلِّقاً على برامج التمثيل، غير أنّ استحقاق هذه الحلقة يأبى إلا الاعتناء بمضامينها ونجاحها المقبول.

ففيها تصوير بين واقعين مهمَّين في إطار العالَم الإسلامي المحتقن؛ كل منهما لا يمثِّل الواقع الغالب الأكثري في جهته، ولكن مع كونه ليس الأكثري إلا أنه هو البارز على السطح؛ ربما لهذا كان العرض قد تأثرت بطرح الواقع هكذا رغم أقليّة أَتْباعه. وطبيعي أن يكون التيار الأقلي أبرز في الساحة؛ ذلك لأن الأقلي كلما كان شاذاً عن الحال العام كان أظهر وأَلصَق بالشعور به؛ لذا سأهتم هنا ببعض التفاصيل في مجموعة العناوين التالية كي يكون الكلام علمياً أكثر من كونه مجرَّد تعليق عام تطغى عليه مؤثرات العرض نفسه، وهو بلا شك عرضٌ بَنّاء يستحق الثناء؛ فإنّ المجتمع - والزمن زمن الفن - بهكذا برامج يرتقي ويكسر طوق السقم المسيطِر على خيالاته ليخرج لواقع الحياة والفكر ورحابة الروح الإنسانية وجمالية الاختلاف ومنافعه الغَرّاء.

أولاً: يزيد:

بدأ الكلام مهتماً من بدايته بالتسمية، واختار شخصية يزيد بالذات إشارة ليزيد بن معاوية قاتل الحسين بن علي وفاطمة الزهراء سبط رسول الله سيد شباب أهل الجنة بإجماع الأُمّة قاطبة على مناقب الحسين عليه الصلاة والسلام. واختار بالذات مسمى عبد الزهراء إشارة لفاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام سيدة نساء العالمين بنت النبي محمد ﷺ الطاهرين وصحبه الطيبين.

كان المراد من اختيار يزيد هو الإشارة للصراع الكبير القائم على بُغض طائفة الشيعة - أتباع أهل البيت - ليزيد بن معاوية بن أبي سفيان القاتل وإحيائهم لشعائر عاشوراء المقتول وهو الحسين بن علي بن أبي طالب ، حيث قُتل الحسين - وهو من أهل البيت - في العاشر من محرم بأرض كربلاء قرب الكوفة في العراق؛ فإنّ هنالك تياراً أقليّاً ينزِّه يزيد بن معاوية بنظريتين:

الأولى هي أن قاتل الحسين هو والي يزيد عُبيد الله بن زياد وأنه فَعل ذلك دون الائتمار فيه بأمر من الحاكم يزيد الذي نصبه على العراقيين حاكماً والياً، مع التسليم بالصراع بين الحسين ويزيد. هذه النظرية الأولى، والنظرية الثانية هي الاعتراف بأن يزيد قتل الحسين جهاراً نهاراً وهو الذي أَمر واليه عبيد الله بذلك، ولكن الحسين كان يستحق القتل؛ لأنه خرج على حاكم زمانه يزيد الذي قتله بسيف جده النبي محمد ﷺ لرد الفتنة نظراً لكونه الحاكم ويجب عليه توطيد أمور البلاد واستقرارها حتى لو كان هذا الحاكم فاسقاً فلا يجوز الخروج عليه..

وهذه النظرية الثانية شاذة جريئة للغاية وأكثر شذوذاً من الأولى، لا تكاد تَظفر بأَتْباع إلا الشذاذ جداً، وهم قِلة قليلة نادرة في قبال مجاميع المسلمين الكبيرة، وحتى أَتْباعها لا يكادون يجرؤون على التفوه بها علناً إلا ما شذ وندر منهم؛ ذلك لأنّ علماء الأُمة من جميع المذاهب ينتبذون هكذا رأي في حق رجل عظيم هو سيد شباب أهل الجنة باتفاقهم.

وكل من النظريتين - فضلاً عن الثانية - أَتْباعُهما قلة، والغالبية ترى - وفق الحقائق التاريخية المتواترة الناقضة لهكذا تفسير - أنّ يزيد بن معاوية ارتكب ذنباً فظيعاً، بالدرجة التي تجد فيها حتى بعض التيارات المتشددة تصرِّح بفظاعة ذنْبه وبطلان ما فعله في كربلاء، بالأخص مع لحاظ كون الحق مع الحسين وفقاً للبنود التي قام عليها الصلح بين «أخ الإمام الحسين وهو الإمام الحسن الحاكم الخليفة الرسمي بعد أبيه علي» مع «والد يزيد وهو معاوية الحاكم قبل يزيد»؛ وهو صُلحٌ مُشاع أمام الصحابة ومجاميع المسلمين وأهل الحل والعقد؛ إذ تضمَّن الصلح شرطاً ينص على أنّ الحسن يتنازل عن الخلافة ويسلِّم الحُكم لمعاوية طوال حياة معاوية، فإذا مات معاوية فالخلافة ترجع لأوصياء النبي وهم الحسن إن كان حياً أو للحسين إن لم يكن الحسن حياً. بينما الذي حصل هو الانقلاب على بنود الصلح؛ إذ تَذكر كتب التاريخ أن معاوية أمر لابنه يزيد بالحكم بعده، ويزيد أيضاً أخذ الحكم بعد موت أبيه ضاربين ببنود الصلح واتفاق المسلمين عرض الحائط؛ وطبيعي في هذه الحال أن يحق للحسين المطالبة بتحقيق العدل وإنهاء المحنة وتطبيق بنود الصلح وشروط المسلمين التي تم التنازل لمعاوية على أساسها، سيما مع فساد يزيد المشتهر؛ فحَصل أنّ يزيد أبى وكان الجيش بيده فقَتل الحسين في أبشع صورة عرفها التاريخ البشري، مما كَبَّد مشاعر الشيعة أحزاناً لا تنطفي إلى أبد الدهر.

الشيعة لا ترى الحسين شخصاً عادياً عابراً يمكن التهاون مع جراحاته الصغيرة فضلاً عن الكبيرة، الشيعة تتوجع لدمعة الحسين فضلاً عن نزف قطرة من دمه بشوكة وردة؛ لأن الشيعة ترى الحسين إماماً منصوصاً عليه في القرآن «في آية تطهير أهل البيت وحادثة الكساء اليماني» وفي الأحاديث المتواترة عند أهل السُّنة «في حديثَي العترة والأئمة الاثني عشر»؛ لذا فإنّ تسمية يزيد مبغوضة عند أَتْباع مذهب أهل البيت بما هي ذكرى أليمة تحيى في وجدناهم كل يوم لا أنها بحد ذاته مبغوضة ومحرمة شرعاً وعند أهل البيت سلام الله عليهم؛ فاسم يزيد - بما هو اسم - مجرد اسمٍ عام يحق لك التسمية به وعدم التسمية به، تماماً كما لك أن تَحترِم من تحب فلا تسمي أبناءك باسم قاتله لأنك تستذكره به، والاحترام هو فعل نوعي تحدده طبيعة فهم الفاعل والآثار النفسانية الشخصية والعرف والظرف..؛ لذا فإنّ السُّنة يسمون أولادهم يزيداً؛ ذلك لأنهم لا يرون بأنّ عدم التسمية به ينطبق عليها الاحترام الواجب عندهم تجاه النبي وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام والحسين الذي هو واحد من أهل البيت. لكنّ هنالك فئة - والتي هي كما ذكرت أقلية - تتعمد التسمية بغرض الإثارة والطائفية والمعاندة؛ والحلقة إنما أشارت لهذا الجانب الأقلي بالذات؛ فيَلزَم العِلم بأنه ليس أكثرياً في أهل السُّنة؛ بالتالي كان القياس هنا بين جماعة أقلية - وهي الجماعة التي تسمي باسم يزيد بغرض سلبي - مع جماعة أكثرية في الفريق الثاني - وهي طائفة الشيعة التي لا ترغب بتسمية يزيد لأبنائها -؛ ومَنشأ الصراع في الاسم هو نوع الاحترام والعقيدة.

ثانياً: عبد الزهراء:

الأقلية التي تحارِب طائفة الشيعة - بسبب الاختلاف الحاد في الاعتقادات - تحاول أن تصوّر الشيعة لمُريدِيها والآخرين بعقيدة الشرك، وتروِّج ذلك بصورة مكثفة جداً سيما عندنا في المملكة؛ وذلك بغرض تنفير الناس من مذهب الشيعة والتعرف على هويّته تبعاً لطبيعة المؤثرات النفسية والحروب التنافسية الغير متزنة، واسم عبد الزهراء مصداق جيد من المصاديق البارزة المستعمَلة لتحقيق هذا الهدف مع الذي لا يتمنطقون ويكتفون بالظواهر دون تأمل، خصوصاً مع اشتهار شخصية شيعية بهذا الاسم، مما ساعد على الاستفادة من ذلك لتحقيق الهدف الصراعي المنشود؛ فالشيعة يعبدون الزهراء في ظل أن العبادة لابد أن تكون لله وحده.

هذا الفريق الأقلي يَتيقن بأنّ الشيعة موحِّدون، وأن الشيعة يصرخون ليل نهار بأنهم لا يعبدون الزهراء ولا غيرها مع الله، بل يشتهر الشيعة بعلم الفلسفة، والفلسفة علم على أقسام؛ أوَّلها عِلم الإلهيات؛ وهو عِلم دقيق تنزيهي يجلل الله تعالى عن أي شريك معه، ويدرس في حوزاتهم ليل نهار، بل ولا يقبل الشيعة حتى بمجرَّد تجسيم الله؛ إذ يحكمون بأجمعهم بأنّ الله مجرَّدٌ تام التجرُّد، بينما الزهراء مخلوق واقع ضِمن دائرة معاليل الوجود الإلهي المجرَّد، إلا أنّ الفريق المقابِل - والذي هو أقلي - يأبى إلا أن يضع أسساً خاصة لمعنى الشرك ومن ثم يسعى لإدخال هذه المفاهيم تحته وإشمال الشيعة به وتدريسه في المدارس والجامعات كما هو حاصل الآن ومنذ مدة، بينما القرآن الكريم - وهو مصدر متواتر يقيني الصدور عند الجميع - يصرِّح بأنّ العبد يكون للإنسان بمعنى الخادم دون أي مشكلة بل وحتى مسمى الرب بمعنى القائد..، فهذا مما قامت عليه اللغة والقرآن والأخبار الشريفة ولا يخالِف فيه عالِمٌ من المسلمين، والشيعة حُبّاً منهم لسيدة نساء العالمين الزهراء ولخدمتهم لها يخصُّون النبي والزهراء وأبنائه الطاهرين يسمون أولادهم تيمناً بهذا الفخر العظيم: عبد الزهراء وعبد الحسن وعبد الحسين وعبد النبي..، كما أنّ السنة - وخصوصاً في مصر - يسمون هكذا تسميات، كما مثلاً للمسيحي أن يسمي عبد موسى وعبد يسوع..

إذاً؛ هذا الاسم أيضاً يهاجمه الأقلية، ومَنشأ مهاجمتها هو التأثر بخلفيات الاعتقاد والصراعات الطائفية على رغم سلامة نيّة التسمية وجلالتها.

ثالثاً: قصة المريض:

يَظهر للمشاهِد أن التصوير هنا جاء على أساس بيان واقعَين؛ الأول هو واقع الشيعة الذين يهتزون بسماع الكرامات الخارجة عن قوانين الطبيعة وإيديولوجيات نُظُم التجربة، وبروزها الواضح في أحاديث المَنابر، سواء كرامات العلماء العظماء أو كرامات الأنبياء والأوصياء صلوات الله وسلامه عليهم، والسُّنة يؤمنون بكرامات العظماء والأنبياء والأوصياء أيضاً، ولكن الابن الذي تربى في البيت السُّني كانت قصة شفاء المريض بكرامة العالِم مثيرة لضحكه يتلفَّت حينها بين الخطيب والمخاطَبين متحيراً في تبرير ما يسمع من الشذوذ الذي يشعر به؛ لأن نظره كان بنحو النظر العامي لدى الناظر للظواهر دون المعاني والقدرات الإلهية وفيض الفضائل؛ فعيسى كان يشفي المريض، وللصلحاء دعوات مستجابات نصَّتِ الأخبار المتواترة على ذلك عند كل الأمّة دون خلاف؛ فلماذا كان الشفاء بالكرامة خرافة على خصوص المنبر الشيعي مثيرة للضحك رغم الإيمان بإمكان ذلك وامتلاء كتب المسلمين بأحداث مشابهة بل وأشد غرابة منها؟

الجواب:

هو واقع الاعتياد من جهة، ومن أخرى التبعية للتلقين الذي هو شكل آخر من أشكال التأثر النفسي وعدم الاعتياد والنظر للظواهر فحسب وتسفيه المخالِف والانجرار في جُرف الصراعات والتنافسات اللامتزنة. فالعديد ممن يهزؤون بهكذا أحداث - ومنهم بعض شيعة اليوم أيضاً - هم لا يَضحكون منها بالداعي العلمي ككون الطب مثلاً يرجِع كل معلول مادي لعلة مادية وراءه، بينما المعاليل المادية في نظر المعتقِد بما وراء الطبيعة والمعنويات لا يَحصِر المعاليل المادية بالعلل المادية وإنما يوسِّع دائرة العلل إلى العلل العالية وهي التدخلات الإلهية التي بيدها كل شيء، ومن «كل شيء» الكرامات التي يختص الله بها أحباءه؛ فهو المَلِك وله نفحاته الخاصة وتصرفاته النافذة؛ وهذا منطقي في غاية العقلانية والصحة.

وهناك سبب آخر مهم يؤدي للضحك هنا؛ وهو أنّ طبيعة الشفاء هذا حصولها يأتي من مبررات غيبية خارجة عن استيعابنا؛ لذا تكون - بطبيعة الحال - أقرب للخيال، مما يدفع بنا للشك فيها أو إنكارها والضحك تجاهها، كما أنّ إنكار الماورائيات والغيبيات سببٌ آخر ولكن للملحدين الذي ينكر وجود الله والقوى الغائبة عن قوى الحِس، وكذا المعتقِد بالله فقد يرتاب في ذلك بسبب ضعف يقينه بربه وتمرُّده على واقع ما يقع لعدم حسه المباشر به وتأثره بالنظر الظاهري التجريبي المادي..؛ لذا كان من الطبيعي جداً أنّ المستمعين قد تقبَّلوا ما يقوله الخطيب وتأثَّروا به ورفعوا أصواتهم بالصلاة على النبي وآله؛ لأنّ العادة لديهم تمرَّست على سماع هكذا قصص والقَبول بها، وصلاتهم على النبي وآله إنما كعادة ذِكرٍ طيبٍ لهم عليهم الصلاة والسلام وإطراءً في كل حادث خير. كما أيضاً لا يكاد المنكِر أن يذعن ويقر بهذه الكرامات عندما يقع هو شخصياً في مأزق شخصي أليم امتنعتْ فيه كل سُبُل العلاج الظاهرية المادية المعتادة في تصوّره؛ فتجده يَلجأ إلى هذا الطريق الغيبي الذي اعتبَرَه سلفاً مجرد خرافات خيالية عساه أن يجد من خلاله خلاصاً ونجاة.

وإذا تأملنا أيضاً مفهوم اليأس وحُرمته بإطباق كافة الفقهاء؛ فإننا ندرك جيداً أن هذا الجانب الغيبي لابد أن نؤمن به. نعم؛ الإيمان به يَلزَم أن يكون بنحو عقلائي لا هكذا جزافياً وخرافياً.

رابعاً: الزيارة:

لا يوجِب الشيعة زيارة الأئمة الاثني عشر الطاهرين؛ وإنما يحكمون باستحبابها المؤكَّد وثوابها البليغ الجليل جداً، وهذه الزيارة لها فلسفة عظيمة يطول المقام بتفسيرها وبيانها، وقد أمر الله تعالى في كتابه الكريم بزيارة الأماكن التي يقام فيها اسمه وذِكْرُه، ولا يرتاب أحد أن أهل البيت يُذَكّروننا بالله تعالى وليس شُغْلهم إلا ذلك. وقد أَمر النبي ﷺ باتفاق أكثرية أهل السنة بزيارة القبور وعدم التعامل مع الموتى بجفاف وجفاء وهجران دون رقّة؛ فأَمر بالرفق بالميت بزيارة قبره والتذكُّر لله وتذكر الموت عند قبره لإصلاح النفس عن المفاسد..، ولا شك أنّ هذه المعاني أكثر بروزاً في مقابر النبي وآله عليه وعليهم الصلاة والسلام.

وفي قبال ذلك هنالك رأي عند فقهاء الشيعة القدماء - وهو رأي أقلي - يرى وجوب زيارة واحد من الأئمة فقط وهو الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام؛ ويعود الأمر في ذلك لوجود نصوص شرعية خاصة صدرت من أهل البيت عليهم الصلاة والسلام تشدد على زيارته مع الإمكان كما بيَّنتُ مفصلاً في كتاب حول ذلك. وهذا الرأي الأقلي اندثر ولا يكاد له وجود اليوم بين علماء الشيعة.

فالذي يبدو في الحلقة أنّ الزيارة بحد الواجب عند الشيعة، بينما الأمر كما ذكرت ليس كذلك. وحتى لو كان واجباً؛ فالوجوب هنا من نوع الأوامر التفصيلية الخاصة جداً؛ أي الأوامر المتوجِّه لأَتْباع المذهب المؤمنين به فحسب.

خامساً: التطبير والزحف:

لا يجيز أي فقيه من الفقهاء المعتبرين الشيعة بالزحف على الأرض في عاشوراء؛ فهذه من الأفعال الدخيلة التي نَبرأ منها، ولكنها حقاً موجودة، ووجودها كما ذكرت لا يعني القَبول بها؛ فمثلاً الغناء محرم، لكنه موجود في القنوات السنية بكثرة جداً، وأشرطة الغناء تباع علناً في المملكة بمختلف الأسواق عدا المناطق القريبة من الحرمين الشريفين بمكة والمدينة، ووجوده لا يعني تجويز السنة له؛ وهكذا هذه الفعلة التي غزت الشيعة باسم الشعائر الحسينية بغرض التشويه، وهي على رغم وجودها قليلة جداً جداً بالحد الذي نادراً أن تراها على أرض الواقع إلا أن تَبحث عنها جاهداً أو تجد لها تصويراً مبثوثاً في الإنترنت، كما لا تكاد تراها في محفلٍ عامٍّ مفتوح، وإنما تمارَس في انعزالات أو تفرُّدات ضيّقة؛ وهذا الضمور لها خير دليل على أن الشيعة لا تقبل بها وتنتبذها، كما أنّ المتابِع يجد بوضوح كيف أن خطباء الشيعة يحارِبون هذه الظاهرة علناً على المنابر.

وأما التطبير؛ فهو مسألةٌ حساسة عند الشيعة أنفسهم، وكانت الشيعة تنتبذه في بدايات ظهوره، وكان بعض محاربيهم يعيرهم بذلك، وكان الشيعة ينكرون هذا الفعل وأنه من طقوس وأفعال بعض الهنود في الأقاصي البعيدة..، وكنا شخصياً لا نصدِّق بأن الهنود الشيعة يفعلون مثل هذه الأفاعيل، سيما في بدايات انتشار الإنترنت وضعف وسائل التواصل، فكنا نحسب بأن التطبير قضية ملفَّقة والصور التي تُنشر مفبرَكة تَستهدف تشويه مذهب أهل البيت سلام الله عليهم ضِمْن الحملة المعتادة التي تستضعفنا، ومع اتساع وسائل الاتصال ومرور الأيام والاعتياد على رؤية هذه المناظر أصبح التطبير أمراً متقبَّلاً؛ ثم برز له دعاة أوصلوا القول بتحريمه إلى حد الجنون؛ فمَن يحرمه فهو عندهم مجنون متَّهَم؛ هكذا صار الأمر. واليوم بات التطبير شعيرةً محل نزاع عريض بين رافضٍ له ومؤيِّد، كما أنّ هنالك من الفقهاء الشيعة الكبار مَن يتوقَّف في الحكم تجاهه بعدم الإفتاء سلباً أو إيجاباً فيه، وإيران كدولة شيعية فهي رسمياً تَمنع مواطنيها التطبير، وأي ممارسة لهذه الظاهرة فإنها تلاحق فاعيلها.

وللتطبير رؤية خاصة تقوم على أنّ الحسين عليه الصلاة والسلام نزف دمه الطاهر بحرقة وألم وقُطِع رأسه وهو حي، وجرت عليه المصائب الثقال؛ فقد قُتِل أبناؤه أمام عينيه وأصحابه وأحرق بيته وخيام ذويه ومن معه ونُهِبَتْ خباؤه وسُلِبَت نساؤه وأسِرت وشُّرِّدت حرمه وأطفاله..، والحسين على عظيم منزلته يجوز فيه الحُزن كما حَزن النبي يعقوب على ابنه يوسف سنين طويلة جداً يبكي حتى ابيضَّت عيناه وانطفأ بصره من كثرة البكاء وصار مثلاً يُضرَب في ذلك وذكر القرآن خبره جلياً، ويوسف لم يمُت ولا قُتل كما قُتل الإمام الحسين ابن رسول الله الأعظم ولا فُعل به كما فُعل بالحسين، فلا ضير بالحزن عليه وإبراز الكآبة والألم والحرقة التي تلتهب في نفوس المحبين مادامت ليس فيها تعدٍّ على أحد، والشعور بدماء الحسين السائلة على أوداجه وأثباجه في تلك الصورة المأساوية المحزنة..

وللقائل بجواز التطبير أدلة يتمسَّك بها في تجويز ذلك مع إقراره بأنه في زمن الأئمة لم يكن هذا الفعل موجوداً، ولكن الطقوس بما هي طقوس تتغير في ألوانها بتغير الأزمان والظروف مع وحدة وصف الموضوع ووحدة الحُكم؛ فمثلاً عند إخواننا أهل السنة في زمن كانت صلاة الطواف خلف مقام إبراهيم المعهود في المسجد المكي الشريف ثم نقل إلى غير مكانه وترتب على ذلك اختلاف في ممارسة هذه الجزئية من هذه الشعيرة الإسلامية الكبرى، وغير ذلك من الشواهد الكثيرة. فبالمحصلة؛ مسألة التطبير خلافية جداً عند الشيعة أنفسهم، ومن يجيزها يبني الجواز على مبررات خاصة.

وقد أشار العرض إلى أن الابن الشيعي لم يكن يطبِّر، وكان هذا بمثابة احتجاج من الابن السني على أبيه، وإيضاحاً من بعيد جداً للجدل والاختلاف الواقع بين الشيعة في المسألة وعدم عمل الكل بذلك، غير أن الإشارة جاءت خجولة سريعة لم تأخذ حقها الكافي من البيان.

سادساً: سب الصحابة:

في العقيدة المعتدلة لدى الشيعة لا يوجد في صحابة النبي ﷺ إنسان معصوم؛ فكل صحابي يجب أن يقيَّم وفق أدائه في حياته؛ وهذا أمر عقلائي منطقي. بينما عند أهل السنة الصحابة كلهم - جملةً وتفصيلاً - عدول لا يجوز مساسهم بأي طعن، والصحابي يصل لمرتبة العصمة، وقد صرَّح بذلك بعض العلماء منهم تصريحاً مباشراً، ويستندون في هذا المجال لآيات وروايات كلها عند الشيعة لا تفي بإثبات هذا الاعتقاد؛ إذ هنالك آيات وأخبار وأحداث تاريخية متيقنة نقلها نفس أهل السنة عن الصحابة تؤكِّد بأنّ الصحابي يرتكب المحرَّم، وارتكاب المحرَّم باتفاق الجميع يسلب عدالة الشخص ويَمنع من تنزيهه؛ لذا يَلزم تقييم كل صحابي وفق معايير علم الرجال والتجرح والتعديل كغيرهم من الرواة، سيما وأن الأمر يتعلق بأمر خطير وهو معرفة وتمحيص أحكام الدين الصحيحة وامتثال الأوامر الإلهية الواقعية. ونفس علماء أهل السنة في بعض الصحابة يقعون أحياناً على خلاف هذا الأصل الذي ذهبوا إليه؛ والسبب في ذلك يعود لصعوبة الالتزام بهذا المبنى وتطبيقه على كل صحابي، بل وصل بعض علمائهم إلى تنزيه حتى التابعين؛ أي الأشخاص الذين تبعوا الصحابة والذين هم الجيل الذي بعد جيل صحابة النبي ﷺ، مما زاد في الأمر صعوبة؛ فمثلاً الخليفة الثالث عثمان بن عفان صحابي، وقد مات مقتولاً، والذي قتله ابن الحمق، وابن الحمق صحابي قتله عامداً بدون أمر أمير..، ومُسلم بن عقبة صحابي، قَتل مئات الصحابة وحُفّاظ القرآن في المدينة وفَجَر بجيشه بالنساء المسلمات وافتضَّ البكارى منهن وقَتل الكبير والصغير في حادثة الحَرَّة الشهيرة المتَّفق على وقوعها، لدرجة أن بعض علماء أهل السنة يسمونه «مسرِف» بدل مسلم نظراً لما أسرف به من الدماء والأعراض وارتكاب الحرمات الكبار العظام، وغير ذلك الكثير الكثير من النماذج؛ فالتاريخ مليء بهذه الأمثلة والأحداث التي يطول المقام بها.

فالشيعة لا تنزه الصحابة بنحو الإطلاق، وإنما تقيِّم كل إنسان بحسب تاريخه وأفعاله، وقد أَمر القرآن والنبي وأهل البيت المطهَّرون من الله بذلك، كما أن النبي طرد بعض أصحابه وسَقَّط بعضهم وتكلَّم في أحوالهم في حياته «كثُرَت علَيَّ الكَذّابة..» وبعد موته، وضرب بعضهم رقاب بعض، كما خرج الخوارج وأيضاً حدثت كربلاء..؛ فإذا كان الصحابي فَعل فعلاً يغضب الله فيُلعَن عندهم، وإذا كان طيباً يحمدونه ويَذكرون أفعاله الطيبة في مجالسهم وعلى منابرهم للاقتداء به وتعليم الناشئة والكبار بمناقبه كما يعلمونهم بمفاسد الآخر، وفي ظل كل ذلك لا يحاول الشيعة القيام بهذا الأمر في المحافل العامة تجاه الصحابة الكبار المجللين عند إخواننا السنة؛ احتراماً منهم لمشاعر المسلمين الذين يحكمون بعدالهم الخاصة جداً وسيراً على تقبُّل الاختلاف والعمل بأصول التحاب والتوحد والوطنية بتغليب المشتركات على المختلَفات.

نعم؛ في الآونات الأخيرة ظهرت جماعة، وهي قليلة جداً، تلعن علناً في قنوات محدودة جداً جملة من الصحابة التي تراهم قد فسقوا عن أمر الله، وهذه الجماعة مع قلتها مرفوضة من غالبية الشيعة لا لأن الشيعة تنكر صواب عقيدتهم، وإنما لأن الشيعة يكرون طريقتهم وعدم احترامهم لمشاعر الآخرين في أمرٍ كهذا لا لزوم فيه لهكذا ممارسة سيئة وسلبية على التعايش والتواد. فهذه القلة المتشددة لا تمثِّل المجموع الكبير للشيعة بتاتاً وقد صدَّر فيها علماء الشيعة بيانات شاجبة كثيرة.

ثمَّ إن «كل العلماء» المعتبَرين من الشيعة يمنعون من اللعن بهذه الصورة؛ ومنهم السيد السيستاني الذي يمثِّل أكبر مرجعية للشيعة في هذا الزمان. وهكذا الأمر في إيران؛ فقد رأيت بأم عيني الدولة تمنع منعاً باتاً عن هكذا فعل وتصرِّح بذلك وتشدد عليه وتضعه في مؤتمراتها العلمية والوحدوية، وفي لبنان وهي حاضرة شيعية أيضاً يشدد العلماء هناك على منع هكذا فعل، وقد صرحوا عدة مرات كثيرة علناً بالمنع، وهكذا في العراق لا تجد ذلك على رغم وفرة الفضائيات العراقية الشيعية اليوم...

سابعاً: التقية:

يحاول الأقلية من الفريق الآخر تصوير الشيعة بالنفاق، وأنهم يخفون عقائدهم الشاذة ويكذبون عند سؤالهم عنها؛ فمثلاً سب الصحابة يكذبون فيه بقولهم لا يسبون الخاطئين منهم.. وغير ذلك.

والإنصاف؛ هو أن الشيعة نعم يستملون التقية، ولكنهم يصرحون بالأصل؛ ففسدَ الاتهام؛ فالمصاديق الجزئية التي يَتقون الآخرين فيها هي واقعة تحت حُكم كُلي هو نفس حُكم التقية، والحُكم الكلي هذا مصرَّح به منهم؛ إذ يصرِّحون بأن التقية من الأحكام الشرعية ومأخوذة من القرآن والروايات الشريفة فلا ينكرونها؛ بالتالي هم واضحون؛ لأنهم لا ينكرون أنهم يستعملون التقية، والتقية بطبيعة الحال تقتضي المداراة وإلا لم تكن تقية؛ فأين المشكلة؟!

ما المشكلة في أن يداري الإنسان إخوانه المسلمين فيما يضايقهم؟!

إنّ التقية هي من أرقى أساليب التحاب والرغبة في التعايش مع من يختلف معك مادام لن يَقبل بما عندك؛ فالشيعة أراهم بالتقية أثبتوا أنهم شعوب اندماجية متعايشة ويحبون السلام؛ إنهم متعايشون حقاً.

ثامناً: لا تفجّر الحسينية:

وردَ أن الأب الشيعي يقول لابنه السني اذهب للحسينية لتتعلم لكن لا تفجرها؛ هذا العبارة مع جسامة معانيها وحاجتها الكبيرة للإبراز، إلا أنها لم تأخذ قِسطها الذي تحتاجه وتستحقه سيما مع كونها حدثاً وطنياً ودولياً حاضراً اليوم يؤرِّق الشعوب؛ إذ جاءت خاطفة عابرة جداً كأنها مرت على استحياء على رغم ما للبرنامج من سابقة قوية شهيرة في هذا المضمار.

تاسعاً: ترى حِنّا إخوان:

أجاد العرض في الأخير عندما قال الولدان بأنهما إخوة كل منهما رضع من ثدي أم الآخر، فكانت هذه العبارة - على رغم سرعتها وعدم إعطائها وقفة جيدة قدر ما يكفي - من أجمل ما حوته حلقة البرنامج ومثَّلتِ البلسم الحقيقي للواقع الرباني بشتى معاييره؛ فكلنا أبناء صلب آدم ورحم حواء، كلنا نَحمل صفة الإنسان الواحد كما قال أمير الفصحاء، عليه الصلاة والسلام: ”الناس صنفان؛ إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخَلْق“؛ فهذا الذي يجب أن يُغرس في الدروس والنفوس؛ فالاختلاف طبيعة ضرورية في الحياة والازدهار، والإنسان يختلف حتى مع نفسه فكيف لا يختلف مع غيره! ومهما حصل الاختلاف فلابد أن لا ننسى اشتراكنا في الوجود ومالكية الحياة وشراكة التراب ووحدة الصلب والرحم، وأن الصراع على أساس الاقتتال والتمزق طال عمره وما أسفر عن شيء نافع لهذه الأمة، بل ذهب بتراثها وأمجادها حتى تخلَّفت وتوقَّفت عن مسيرتها نحو آفاق العالَم وتسليم الأمانة والدِّين للأمم وإظهار جماله وزهائه، فما نتج هو العجز والحاجة والفقر والمسكنة والتراجع بانشغال بعضنا ببعض والاتكاء على الأمم وتغريب واقع الإسلام وتقييده وتعجيزه وتشويهه بالاقتصار على اسمه ورفْع الله بركاته عنا بافتقاد أعظم النعم وهي الأمان حتى في أقدس البقاع وحاضِرة مَهبط الدِّين.

وأخيراً

لم يُجِدْ العرض في التزامه طابعاً واضحاً؛ حيث لا يُعلَم منه أيّ الاتجاهات التي يريد تصويرها؛ حيث تردد تارة بين التيارات المتشددة الأقلية وأخرى المعتدلة الغالبية. فضلاً عن تصويره لوضع لو شاهده الخارج عن الدائرة الغير منتمي للمسلمين؛ فأظنه سينعكس عليه انطباعٌ سلبي جداً تجاه عقلية المسلم! بينما في المسلمين عقلاء كُثُر بارعين في التلقي والوعي ومواكبة الظروف وعلى أعلى مراتب التفوق والتميز.

وفي الختام لا يسع إلا الثناء على فكرة هذا المجهود لِما لها من دور فاعل وبالغ في تصحيح الاحتقان المحلي والإسلامي وتجاوزها الممنوع المفتعَل وتبصيرها المتثاقلين عن البحث والفحص وتحفيزها على نشأة المثائل، كما نأمل أن نجد «أعمالاً مكثفة» تتسم بالعطاء والإبداع القادر على تسيير المعارف والإصلاح والنفوذ لأوسع قدر من الجماهير بأسلوب شيق ومرن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد ولد الداد
[ القطيف ]: 11 / 6 / 2016م - 8:00 م
اختيارهم لمسمى عبدالزهراء ليس بنفس ماذهبت اليه من تفكير
الاختيار مرتبط باحداث العراق وبالخصوص منطقة الصراع في المكون السني . وبدأت أول مابدأت عند احداث انتفاضتهم ضد الجيش العراقي الذي اصبح يسمى ب عبدالزهراء نسبة الى الجنود الشيعة وانتشار هذا الاسم بينهم
ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com