آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 4:44 م

نبي ضد التمييز

إلى مدين وفيها

بدر شبيب الشبيب *

﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ «22» وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ «23» فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ «24» القصص

أخذ موسى بنصيحة الناصح له بالخروج من مملكة فرعون، وتوجه صوب مدين التي يقال بأنها مدينة معان الأردنية التي تقع جنوب العاصمة عمان، وتبعد عنها 216 كم. خرج من مصر بلا زاد ولا راحلة «بغير ظهر ولا دابة ولا خادم، تخفضه أرض، وترفعه أخرى حتى انتهى إلى أرض مدين» [1]  كما تقول الرواية عن الإمام الصادق . لم يكن لديه من رأسمال سوى ثقته العظيمة بالله عز وجل ويقينه به، لذا دعاه في أدب جم قائلا: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ أي أرجو من ربي أن يدلني ويأخذ بيدي إلى الطريق الموصلة إلى مدين فلا أضل يمينا أو شمالا.

وصل إلى ماء مدين بعد رحلة شاقة مجهدة على الأقدام في الصحراء القاحلة، فكان هذا الماء أو البئر بشارة الأمل والحياة، ورمزا إلى مرحلة جديدة خصبة تنتظره. تقول بعض التفاسير مثل «كنز الدقائق وبحر الغرائب» لمؤلفه محمد بن محمد رضا المشهدي القمي بأنه كان بينها - أي مدين - وبين مصر مسيرة ثمانية أيام.

رأى موسى عند البئر جماعة من الرجال الرعاة الأقوياء يزدحمون على البئر يسقون أنعامهم، ولفت نظره وجود امرأتين نأتا بنفسيهما عن الناس وتمنعان أغنامهما عن الاختلاط بمواشي الآخرين أو ورود البئر. فأبت نفسه التي اعتادت الإحسان إلى الآخرين والوقوف مع المستضعفين إلا أن يتدخل، وهو الغريب عن مدين المجهد حق الإجهاد. فتوجه إليهما بسؤال مختصر عن شأنهما، وسبب وجودهما. فأجابتاه إجابة شافية كافية في كلمات قليلة تتجاوز حدود السؤال قليلا لتتفادى سؤالا قد يرد في ذهن موسى. أجابتاه بأنهما لا يسقيان أغنامهما حتى ينتهي الرعاة أولا وينصرفوا عن البئر، تحاشيا عن الاختلاط بالرجال، وصيانة للعفة والطهارة، وأنهما اضطرتا للخروج من المنزل والقيام بهذه المهمة لأن أباهما رجل ضعيف لا يستطيع القيام بذلك.

وكعادته في نجدة الآخرين، تطوع لأداء العمل رغم الجوع والتعب، فسقى أغنامهما بنفسه، وأنهى المهمة، ثم انصرف إلى ظل شجرة ليستريح دون أن يدخل معهما في أي حوار آخر. ولكنه دخل في حوار مع الله، حيث توجه إليه داعيا سائلا الله الطعام بطريقة غير مباشرة تركز على افتقاره لنعمة القوة البدنية التي أنعم الله بها عليه والتي سخرها في خدمة المستضعفين، وكان هذا كناية عن إظهار الفقر إلى الطعام الذي يحفظ هذه القوة.

يقول الإمام أمير المؤمنين ، وهو يصف حالة موسى تلك، وما كان عليه من جوع شديد: «والله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض، ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه»[2] .

وقفات:

1 - الاستماع لنصيحة الناصح الأمين وقبولها والعمل وفقها أمر هام في حياتنا. ومع الأسف فإننا نشهد عزوفا عن تقديم النصيحة، وإعراضا عن قبولها كأننا نستثقل الحق أن يقال لنا. يحدث هذا في العلاقات الاجتماعية والسياسية وغيرها.

2 - لتحقيق ما نصبو إليه ينبغي أولا تحديد الهدف، ثم التوجه إليه والسعي الحثيث لبلوغه، وجعله أمامنا دائما، وتحمل المشاق في سبيله، وأخيرا الاستعانة بالله كي يرشدنا إلى أقصر الطرق الموصلة حتى لا يضيع سيرنا وعملنا في الطرق المتشعبة التي تبعدنا عن الهدف ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ

3 - استثمار كل الفرص المتاحة لخدمة الآخرين وقضاء حاجاتهم باعتبارها المدخل الرئيس لرضا الله تعالى، وللوصول إلى قلوب الناس «وخير الناس أنفعهم للناس».

4 - الغربة والظروف السيئة لا تمنع الإنسان المؤمن من القيام بالخدمات التطوعية، بل قد يكون القيام بها طريقا للانفتاح على المجتمع الجديد. وفي هذا درس لأبنائنا المغتربين.

5 - من يتعود على شيء أو منظر قد لا يستهجنه، أما من يراه للمرة الأولى فإنه يستكشف الخلل والخطأ فيه لأنه لم يصبح بعد جزءا منه، بل هو منفصل عنه. فموسى استنكر منظر الفتاتين اللتين تمنعان أغنامهما عن الماء، بينما تعود الباقون على هذا المنظر وألفوه، فلم يعد عندهم مستهجنا. وهذا يدعونا إلى أن نسأل الآخرين عن نظرتهم إلينا وإلى أعمالنا ومنجزاتنا ومدى تقييمهم لها، باعتبارهم يرون ما لا نرى.

6 - قد تقوم المرأة ببعض الأعمال الشاقة اضطرارا، وقد تخرج من منزلها للضرورة، إلا أن ذلك ينبغي أن يكون في إطار المحافظة على عفتها وشرفها بالابتعاد ما أمكنها عن الاختلاط بالرجال، لما يسببه ذلك من آثار مدمرة يعرفها الجميع.

7 - الارتباط بالله تعالى يشكل الحلقة الأساس في كل حركة يقوم بها موسى ، فهو دائم الاتصال بالله تعالى. لما وكز القبطي قال: ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، ثم لما خرج من مصر خائفا يترقب قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وعندما بدأ السير نحو مدين قال: ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ، ثم لما سقى وتولى إلى الظل قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير.

8 - تركيز موسى على الجانب الإيجابي بتذكر نعم الله عليه. ففي شدة الجوع لم يسأل الله الطعام بشكل مباشر، بل أشار إلى نعمة الله عليه بالقوة البدنية وحاجته وفقره لها. ومعلوم أن بقاء هذه القوة محتاج إلى الطعام والطاقة.

[1]  الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص 150
[2]  صبحي الصالح، نهج البلاغة، ص 226