آخر تحديث: 6 / 12 / 2019م - 11:28 ص  بتوقيت مكة المكرمة

داعش ومراكز الأبحاث

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

في كل جريمة يقوم بها تنظيم «داعش»، تتكاثر التحليلات حول الدوافع والأسباب، وربما يبدأ كل شخص بالحديث عن أسباب الجريمة بطريقة تتلاءم مع اهتمامه، ويرى في الحديث عنه عند حصول جريمة داعشية فرصة. فإن كان مهتماً بالإصلاح الديني أحال الجرائم الداعشية إلى التراث، لأنه يريد غربلته، وإن كان مهتماً بالحريات فإنه يؤكد على غيابها كعاملٍ أساسي في تكوين داعش، وفي المقابل هناك دفاع شرس من المحافظين عن التراث، وتأكيد أن نشوء هذا التنظيم جاء لأسباب مختلفة، وهناك إحالات من المهتمين بشؤون المنطقة للصراعات الإقليمية كسبب أساسي، مع اختلاف في التفاصيل بحسب زاوية رؤية كل شخص لما يجري حولنا. لا يمكن أن ننزع الانحيازات بالكامل في تحليلاتنا، لكن الأمر يستحق إضفاء أكبر قدر من الموضوعية على دراستنا وتحليلنا لهذا التنظيم، وكيف ظهر، وما الذي يفسر ممارساته المختلفة.

إن جريمةً مثل التي حصلت مؤخراً، وأسفرت عن قتل أم على يد ولديها، تستحق دراسة معمقة، في إطار محاولة الفهم العامة لسلوكيات أفراد التنظيم، ودوافعهم. كيف يمكن أن يصل ولدان لهذه المرحلة؟، وما الذي يدفعهما إلى حد قتل أهلهما؟. هذه أسئلة أساسية، ومعها الأسئلة الأخرى حول التنظيم: كيف نشأ؟، وما هي الأسباب المؤدية لنشوئه؟، وكيف ينمو ويتمدد؟. الأجوبة على هذه الأسئلة ضرورية لتحديد طرق التعامل مع هذا التنظيم، وكيفية تهميشه وتقليص خطره إلى الحد الأدنى، وهي أجوبة بحاجة إلى ما هو أبعد من المقالات الصحفية، والتغريدات في موقع «تويتر»، إذ إن الدراسات الرصينة، المبنية على فحص وتدقيق في خطاب التنظيم وحالات المنضمين إليه، وسيرة الحركة الجهادية عموماً وتطورها منذ الثمانينات إلى اليوم، مطلب ملح في هذه المرحلة.

يمكن القول إن نشوء التنظيم له عوامل متعددة، سياسية واجتماعية، وأن له أيديولوجيا دينية تبرر أفعاله، لكن المهم أن تتحدد هذه العوامل، وأن تترتب من ناحية الأهمية، كما أن الأيديولوجيا الدينية التي يستخدمها التنظيم بحاجة إلى دراسة تفصيلية، لفهم طبيعتها وتركيبتها. كذلك، فإنه لابد من دراسة دوافع الشباب للانضمام لهكذا تنظيم، فهناك مجموعات مختلفة من كل العالم تنضم إلى داعش، لكن الدوافع تختلف ربما أو يتغير ترتيبها من ناحية الأولوية، من منطقة إلى أخرى، فدوافع المنضمين للتنظيم من السعوديين قد تختلف عن المنضمين من الأوروبيين، فمثلاً استنفار السعوديين على الهوية لدفعهم للانضمام يتم عبر تصعيد البعد الطائفي في إطار تفسير صراعات المنطقة بالزعم أنها صراعات سنية - شيعية، فيما يستثمر التنظيم أزمات الهوية الإسلامية في أوروبا عند المنضمين الأوروبيين.

الحاجة ماسة إلى دراسات عميقة، تعززها الإحصاءات والبيانات الموثقة، لا الركون إلى مجرد انطباعات، أو تصور عام، أو تحليلاتٍ غير موضوعية.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“