آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

نبي ضد التمييز

في طريق العودة إلى مصر

بدر شبيب الشبيب *

﴿فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «29» القصص

ندخل الآن فصلا جديدا من هذه القصة القرآنية ذات الأبعاد المتشعبة العميقة. ننتقل من فصل الهجرة التي بدأت بخروج موسى من مصر خائفا يترقب، مرورا برحلته الشاقة الطويلة في الصحراء القاحلة من غير زاد أو راحلة، والتي تشكل انعطافة مهمة في حياته، حيث الانتقال من حياة القصور والرفاه إلى شظف العيش وقسوته. كل ذلك تحت عين الله تعالى ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي[1] ، فالله تعالى هو الذي نقله من حال إلى حال آخر كي يعده ويهيئه للمهمة الكبرى المتمثلة في تلقي الوحي الإلهي. انتهت رحلة الهجرة الملتهبة بالظمأ والسغب والتعب بوروده ماء مدين، كأن الماء مثل له عنوانا ورمزا لحياة خصبة مختلفة. وهذا ما حدث بالفعل، حيث انتهى به المطاف إلى الاستقرار في حياة زوجية هانئة مع بنت كريمة وصهر كريم من الصالحين. وكان الصهر النبي خير معلم وأستاذ له في مرحلة الهجرة، فمثلت الهجرة إذن هجرة مكانية، وهجرة نحو تكامل الذات السائرة إلى الله.

بعد أن قضى موسى عشر سنوات أجيرا في خدمة النبي شعيب، أصبح مهيأ ومستعدا ولائقا من حيث لا يدري لاستقبال الرسالة السماوية، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[2] . هكذا قدر الله تعالى له أن يعود إلى مصر لا كما خرج منها، بل بزيادة وأي زيادة، ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى[3] .

إذن استأذن موسى نبي الله شعيبا في العودة إلى مصر برفقة أهله، وسار معها متوكلا على الله تعالى. وفي ليلة شاتية ظلماء أضاع الطريق وسط الصحراء - كما تقول الروايات - وكانت زوجته مُقرِبا أي على وشك الولادة. وجد نفسه في موقف صعب موحش، فرأى في ذلك الوقت نارا سكبت على نفسه الأنس، فطلب من أهله الانتظار ريثما يذهب إلى النار لعله يلقى هناك من يدله على الطريق الصحيح أو على أقل تقدير أن يأتي بما يتدفئون به من البرد القارس.

هذا ما كان يظنه، فماذا لقي هناك؟ هذا ما سنعرفه في الأسطر الآتية.

وقفات:

1 - الوفاء بالعقد تمام الوفاء حتى ما هو غير واجب منه يعتبر قمة الإتقان في أداء العمل، وهذا ما فعله نبي الله موسى حين قضى أبعد الأجلين وأوفاهما برغم أنه كان بالخيار من ذلك.

2 - الحياة الزوجية مشاركة ولا بد فيها من قيادة تكون بيد الرجل، وقد يستفاد هذا من قوله تعالى ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ، وفي التعبير بالأهل إيحاء بمعنى السكن، لأن أهل الرجل في الأصل هم من يسكنون معه في بيته، ثم تُجُوز في غيرهم، كالعشيرة والأقربين، كقوله تعالى ﴿فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا.

3 - ينبغي أن يكون الإنسان المؤمن قادرا على التقاط الإشارات الخفية التي ترد إلى قلبه، وذلك يحتاج إلى تصفية دقيقة للنفس. فهذا موسى شعر بأنس داخلي يأتيه في لحظة موحشة من نار من جانب جبل الطور، فلم يمر بذلك دون اكتراث، بل توقف عند هذه الإشارة وذهب وراءها ليجد مصدر الأنس الحقيقي كله.

4 - يظهر من سياق الآية أن أهله لم يروا النار التي رآها، لأنها من أنوار الملكوت التي تأهل لرؤيتها موسى . ولذا فقد أخبرهم عما رأى.

5 - الانفتاح والمكاشفة في الحديث مع الأهل يزيد العلاقة والثقة ويوطدهما. فها هو موسى يخبر أهله عما رآه، ويعبر عن مشاعره الداخلية لهم وأُنسِه: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً.

6 - عندما يتطلب الموقف إصدار أمر ما، فينبغي أن يكون واضحا وأن يُشفع بالتبريرات المقنعة له، أو الحيثيات التي نشأ عنها. يستظهر هذا من قوله ﴿قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ. فقد طلب منهم الانتظار وبين لهم السبب الموجب لذلك، والفوائد المتوخاة من استجابتهم لأمره.

7 - التعبير بالجمع في قوله ﴿امْكُثُوا ربما يستدل به على وجود أبناء لديه مع زوجته، كما قالت بعض التفاسير بأنه كان معه وَلَدان، وقيل لأن الزوجة تمثل بالنسبة للرجل جماعة، لأنها تقوم له بما لا تستطيع جماعة القيام به، وهو دليل على أهمية الزوجة.

8 - عبرت آيات أخرى عن هذا الموقف بأساليب مختلفة، ففي سورة النمل: ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «7»، وفي سورة طه: إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً «10»، وفي سورة القصص: فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ «29».

يبدو - والله أعلم - أن سورة النمل تعبر عن الموقف الأولي لرؤية النار، وكان الغرض تهدئتهم وطمأنتهم وهم في حالة البرد والخوف. ولذا كان الكلام عما وجده وعما سيجلبه لهم من خبر يدله على الطريق أو شعلة ساطعة يقتبسها من النار لتدفئتهم يقينيا: ﴿إِنِّي آنَسْتُ ناراً و﴿سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ، ولم يطلب منهم في آية سورة النمل المكث.

ثم بعد أن طمأنهم طلب منهم المكث كي يذهب وحده، وهنا خفف من قطعه السابق، فلم يقل: «سَآتِيكُمْ»، بل قال على سبيل الرجاء: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً أي رجاءَ أن أجيء بما أتناوله من النار من قبس وهي الشعلة تؤخذ من معظم النار، فخفف من «شهاب قبس» إلى «قبس»، وقدم القبس على الخبر المأمول. ثم أعاد القول مخففا في سورة القصص ربما ليبين بأنه حتى لو كان ما سيحصل عليه أقل من قبس أي «جذوة» فإن عليه أن يسعى لها. والجذوة هي الجمرة أو ما يبقى من الحطب بعد اشتعال النار.

فالنتائج المتوقعة - وإن صغرت - فعلى المرء عدم الاستسلام للأمر الواقع، بل عليه مواصلة السعي بدأب واجتهاد.

9 - الترتيب الذي ذكرناه في النقطة السابقة ليس نهائيا، وإنما أوردناه على سبيل الاحتمال، فقد يكون الأمر بالعكس. أي أن موسى ترقى في التأكيد حتى وصل إلى القطع، بناء على ترقيه في اليقين بالنار التي آنسها، ولزيادة طمأنة أهله.

10 - النفوس الكبيرة تهتم بالآخر أكثر من نفسها، فقد حرص موسى أولا أن يريح أهله بالطلب منهم أن يمكثوا، فلا يتحملوا أي عناء أو أخطار محتملة. كما ركز على أن عمله هو لهم ﴿آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ أو ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ مع العلم أنه أيضا يحتاج للخبر وللتدفئة أيضا، ولكنه قدمهم على نفسه.

11 - ضرورة الاهتمام بالحاجات المادية والمعنوية للأهل.

12 - تنويع الخطاب بما يتناسب ومتطلبات الموقف.

[1]  طه 39
[2]  الأنعام 124
[3]  طه 40