آخر تحديث: 24 / 11 / 2020م - 2:40 م

تأمُّل في الزمن الفيزيائي والزمن الفلسفي من خلال دعاء كميل

الزمن المتصل والزمن الكمّي ودعاء كميل!

هادي رسول *

ورد في الدعاء الشريف:

”أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتى تكون أعمالي وأورادي كلها ورداً واحداً، وحالي في خِدْمَتِك سَرمَدا“

من التحديات الكبيرة جدًا التي تواجه الافتراضات العلمية الحديثة في الفيزياء الكمية هو افتراض أن الزمن كمّي «كمّات منفصلة متعاقبة»، فيما كانت فيزياء نيوتن، والفيزياء الحديثة التي وضع قواعدها آلبرت آينشتاين بالإضافة إلى الفلسفة لا سيما مدرسة «الحكمة المتعالية - ملا صدرا» جميعها يقول أن الزمن سيّال متصل «غير متقطع» متصرّم.

بغض النظر عن اختلاف فيزياء نيوتن التي ترى الزمن مطلقًا، عن فيزياء آينشتاين التي تراه نسبيًا وبُعدًا رابعا لأبعاد المكان والتي اقترحت مفهوم «الزمكان»، والمدرسة الفلسفية مدرسة الحكمة المتعالية لملا صدرا التي تعتبر الزمن جوهرياً في المادة ومقوّمًا من مقوماتها «جزء من أجزاء المادة» بمعنى حركة عميقة سيّالة في الجوهر المادي [1] .

ما هو الزمن الكمّي؟

ما تقصده الفيزياء الكمية بالزمن الكمي المتقطع: هو أن الزمن يكون على شكل كمّات أو مستويات كمية متعاقبة - شبيهة بمستويات الطاقة للإلكترونات حول نواة الذرة - وأن هذه المستويات الزمانية بينها منطقة فراغ زماني، وأن الموجودات المادية لا يمكن أن تتواجد في منطقة الفراغ الزماني مما يعني تواجدها يكون بشكل قفزي غير ملحوظ.

هذه الفرضية ما زالت في إطار البحث ولم تستطع حتى الآن أن تقدم إثباتًا عمليًا يدعم افتراضها.

الآن نعود للمقطع الوارد في دعاء كميل، ماذا نجد؟

الزمن ورد في المقطع بعدة مفردات:

 مفردات دلالتها الزمنية مباشرة

أوقاتي، الليل، النهار، سرمدا.

 مفردات دلالتها الزمنية غير مباشرة

أورادي، أعمالي «مرتبطة بالزمن».

التصرم الزمني:

الإشارة إلى تعاقب الليل والنهار.

 التقطع والإنفصال:

أوقاتي - أعمالي - أورادي

بلحاظ أنها جاءت في صيغة الجمع.

 الاتصال: 

1/ «أوقاتي موصولة» ولكن بلحاظ الاتصال بالمطلق «بذكرك وخدمتك»

2/ «كلها وردًا واحدا»، هذه الأوراد والأعمال المنفصلة تتصل لتصبح وردا واحدا.

نعود ونطرح تساؤلاتنا التأملية!

1 / هل الزمن متقطع كما تفترض الفيزياء الكمية؟

أم أنه متصل كما تفترض فيزياء نيوتن وآينشتاين وفلسفة صدر المتألهين الشيرازي؟

2/ هل الدعاء يدعم فكرة التقطع الزمني، ولكنه يصبح متصلًا لأن الموجود لا ينفك عن واجده مطلق الوجود «الله - عزّ وجلّ»، أم أنه يدعم مفهوم الزمن المتصل في حقيقته؟

يجدر الإشارة إلى وجود نظرية فلسفية وهي نظرية الخلق المستمر للفيلسوف الغربي ”مان برانش“ والتي يقول عنها الدكتور عدنان إبراهيم أنَ برانش استوحاها من فلاسفة عرب كالغزالي ومحيي الدين بن عربي، النظرية التي تقول: ”أن المادة في خلق مستمر“ «انعدام وخلق مستمر»، ويبدو أنها تتوافق مع فهم الفيزياء الكمية للزمن الكمّي الذي يفترض وجود فراغات زمانية بمعنى أن المادة تُعدم وتُخلق باستمرار [2] .

كما يجدر بي الإشارة أنّي لا أحمل النص الشريف تحميلًا للمعنى المباشر للزمن المتصل والزمن الكمّي، ولكن ما يحمله النص من إشارات للتقطع والاتصال في الزمن يدعونا لاستيحاء الفكرة، واستغراق التأمل في ذلك.

والنص الشريف هو نص أدبي، يمكن تفكيكه بأدوات النقد الأدبي، التفكيك الذي يقود إلى فهم أفضل لأسرار النص، الأسرار التي يمكن أن تقود إلى توضيحات نستطيع مقاربتها مع العلم الحديث وتلقيها تلقيا معرفيًّا.

وحين نعلم أن ”دعاء كميل“ مرتبط بموضوع الزمن ارتباطًا مباشرًا، حيث أن صاحب الدعاء هو الخضر الَّذِي منحه الله الخلود  وحالي في خدمتك سرمدا ، فإن التأمّل يصبح مُلّحًا أكثر!!

[1]  العالم بين العلم والفلسفة - د. جاسم العلوي.

[2]  محاضرات الدكتور عدنان إبراهيم.