آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 5:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

لامركزية داعش

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

العمليات الأخيرة التي قامت بها مجموعة من «الدواعش» في جدة والقطيف والمدينة المنورة، أكدت أن الخطر مستمر من هذه المجموعات، وإنْ ضعف التنظيم المركزي في العراق وسوريا، بفعل الهزائم الأخيرة التي تلقاها. هذا يطرح نقاشاً مهماً يتعلق بالتساؤلات حول أهداف هذه العمليات، إنْ لناحية طبيعة الاستهداف، أو لناحية التوقيت. لعل العمليات السابقة كانت أسهل في تفسيرها، لكن العمليات الأخيرة تبدو أكثر «عشوائية»، والمحللون يتساءلون عن الدافع وراء عمليةٍ في المدينة المنورة مثلاً، أضف إلى ذلك عمليات قتل الأقارب، التي كان آخرها قتل أولادٍ لأمهم في حادثة بشعة بكل المقاييس. يغيب في هذا النقاش الحديث عن لامركزية تنظيم داعش، التي قد تسهم في تفسير لجوء منتمين إليه أو لرؤيته إلى أنواع مختلفة من العمليات.

حاول تنظيم داعش أن يتمايز عن غيره من الحركات الجهادية، وخاصة تنظيم القاعدة، بالعمل لإقامة دولة خاصة به، تمتد بحسب توسعه في العراق والشام، وتكون مركزاً ينطلق منه لشن الهجمات حول العالم. بلغ التنظيم ذروة نجاحه في صيف عام 2014، حين تمكن من الاستيلاء على الموصل، ثاني أهم المدن العراقية بعد العاصمة بغداد، لكنه تراجع في الأشهر الأخيرة تحت وطأة الهزائم المتتابعة في العراق وسوريا، وهو ما يضعف قدرته على التواصل المستمر مع خلاياه، ما يجعل هذه الخلايا تتصرف من تلقاء نفسها في ظل حالة من الانفلات، وهي تتحرك ضمن الاستراتيجية العامة للتنظيم في الاستهداف على الهوية المذهبية، أو ضرب رجال الأمن، لكنها قد لا تحدد أهدافها ضمن خطة مرسومة بوضوح، أو في إطار قراراتٍ تتخذ من قيادة التنظيم.

لو كان هذا الكلام صحيحاً فدول المنطقة كلها لا تزال أمام الخطر، وإنْ تراجع حجمه مع تَقلُّص تنظيم داعش، وقد صارت خلاياه تتصرف باستقلالية واسعة، تمكنها من تحديد أهدافها والتنفيذ بمفردها، دون العودة للقيادة. حصل هذا سابقاً مع تنظيم القاعدة، فبعد احتلال أفغانستان عام 2001، لم تعد قدرة التنظيم على الاتصال بخلاياه كبيرة، فصارت هذه الخلايا تقرر بنفسها وتتصرف. هذه المرة، قد يكون الانفلات أكبر، ويمكن القول إن عدداً من العمليات الأخيرة هي محاولات للتأكيد أن هذه الخلايا ما زالت قادرةً على العمل والإيذاء، بأي طريقةٍ كانت.

ليس مفاجئاً أيُّ استهدافٍ تقوم به خلايا داعش، فالتنظيم وخلاياه يكفرون الجميع، وكل ما يتحرك قد يكون هدفاً لهم، لكن مزيداً من تضييق الخناق على التنظيم الأم في العراق والشام، سيكون له أثر إيجابي أكثر في مواجهة خلايا التنظيم في المملكة وبقية الوطن العربي.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“