آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 1:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

عن التحليلات «الجوهرانية»

بدر الإبراهيم * صحيفة اليوم

في تحليل واقع المجتمعات، يصر البعض على إطلاق أحكام تعميمية، مثل القول بأن المجتمع الفلاني لا يعرف سوى لغة الدم، وأن العنف متجذرٌ في ثقافته، أو أن شخصية الفرد في هذا المجتمع تتسم بالميل للعنف، ويمكن أن نسمع مثلاً أن أهل المناطق الساحلية أكثر انفتاحاً ومرونة من غيرهم، أو كما يروج بعض العنصريين في الولايات المتحدة، من أن مجتمع السود يميل للاجرام بطبيعته. هذه نماذج على تحديد صفاتٍ لتجمعات بشرية بعينها، ضمن توصيف سلبي أو إيجابي، دون اعتبارٍ للتغيرات التاريخية والظروف القائمة في كل مرحلة تاريخية، ودون إدراك لتغير المجتمعات البشرية وثقافتها، والتنوع داخلها، وهذا ما نسميه النظرة الجوهرانية.

تفترض النظرة الجوهرانية جوهراً ثابتاً للتجمعات البشرية، لا تتغير ولا تتأثر بالظروف التاريخية، ولا بالعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتغيرة، فهي تتحدث عن الفرد العربي مثلاً بصرف النظر عن تغير هذا الفرد وتبدله مع المراحل التاريخية، وتفترض أن له سماتٍ خاصة هي جواهر لا تتغير مع تغير الزمن، فهذه سماتٌ مستمرة منذ آلاف السنين. هذه النظرة لا تخفق فقط في فهم المتغيرات التاريخية وتأثيرها، ولا في فهم التفاعلات بين البشر وما تسهم به من تغيير في ثقافتهم وسلوكياتهم، ولا في الانتباه إلى حجم التنوعات داخل الكتل البشرية التي يجري اختزالها ضمن هذا التحليل، بل إنها أيضاً تتحول مع التوصيف السلبي لمجتمعات بعينها، إلى رافدٍ أساسي للعنصرية، حيث يتحول التحليل الاجتماعي إلى موقفٍ فكري وثقافي من مجموعات محددة، متوجاً باحتقارها.

هذه الجوهرانية تطبع كثيراً من التحليلات الاجتماعية والسياسية بطابعها، حين تبدأ بإحالة الظواهر من حولنا إلى أسباب ثقافية، وتنتهي باختزال بعض المجتمعات في مجموعة من الصفات السلبية، وإهانة ثقافتهم. النظرة اللاتاريخية «أي التي تستبعد التغيرات التاريخية من حساباتها» تنطبق أيضاً على تحليل وتفسير الصراعات الجارية في هذا العالم، فلا زلنا نرى كثيراً من المحللين يقع في مطب اعتبار الصراعات الجارية حالياً امتداداً لصراعات تاريخية عمرها آلاف السنين، دون ملاحظة انتهاء تلك الصراعات، وتغير المجتمعات التي خاضتها، والمتغيرات التاريخية التي جاءت لتبدل طبيعة الصراعات، حيث الصراعات الحديثة ليست أبداً مثل الصراعات التي نقرأها في كتب التاريخ، وإن تم استحضار بعض الشعارات التراثية فيها.

ليس للصراعات جوهر ثابت، كما أنه ليس للمجتمعات جوهر ثابت، ومن السهل دحض هذه التحليلات بتبيان الفوارق الشاسعة بين المراحل التاريخية، وتأثير العوامل المختلفة التي تُغيِّر في ثقافة وسلوك الأفراد في المجتمعات البشرية، لكن انتشار الطائفية والعنصرية، ينعش معه هذا النوع من التحليلات، كما تنتعش هذه التحليلات مع حفلات جلد الذات، التي يقيمها بعض العرب، ليستنتجوا أن أصل البلايا والتخلف هو الثقافة العربية، و«العقل العربي»، الذي لم يتبدل بنظرهم طوال التاريخ.

كاتب سعودي. صدر له كتاب ”حديث الممانعة والحرية“، و”الحراك الشيعي في السعودية.. تسييس المذهب ومذهبة السياسة“