آخر تحديث: 27 / 11 / 2021م - 3:11 م

نبي ضد التمييز

المكاشفة

بدر شبيب الشبيب *

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ «33» وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ «34»

في هاتين الآيتين الكريمتين نشهد مكاشفة وانفتاحا مع الله سبحانه وتعالى من موسى . فبعد أن تلقى التكليف الإلهي له بالذهاب إلى فرعون وملئه، شرع في الحديث مع ربه عما يمكن أن يشكل عقبة في سبيل تحقيق تكليفه وإبلاغ رسالته. هذا الحديث يمثل استعدادا ورغبة وحرصا على تنفيذ الأمر الإلهي بأحسن صورة، ويمثل في نفس الوقت دعاء يطلب فيه العون من الله على إكمال التكليف.

ذكر في البداية المشكلة الأولى التي قد تعترض طريق تكليفه والمتمثلة في احتمال أن يقوم فرعون ومن حوله بقتله قِصاصا منهم للقبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه، وإذا حصل ذلك فإن الرسالة لن تتم؛ فخوفه إذن كان أولا وبالذات على الرسالة لا على نفسه.

ثم ذكر المشكلة الثانية المتمثلة في حبسة أو لكنة في لسانه، واقترح على الله تعالى أن يرسل معه أخاه هارون ليكون له معينا وظهيرا في أداء مهمته.

وقفات:

1 - وجوب الاستعانة بالله تعالى على أداء تكاليفه الشرعية، فالإنسان فقير في ذاته، محتاج في كل حركة من حركاته لعونه تعالى. وهذا ما تلخصه الآية الكريمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[1] .

2 - إبداء المخاوف والقلق ليس أمرا مستهجنا، بل هو مطلوب إذا كان بغرض الرغبة في تبديدهما وطلب العون لذلك ممن يقدر عليه. فهذا النبي موسى يعبر عن مخاوفه: ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ.

3 - من المستحسن عند طرحك لمشكلة معينة أن تقترح الحل المناسب من وجهة نظرك، لأن في هذا إظهارا لرغبتك في تجاوزها.

4 - النبي موسى مع علمه بإحاطة الله التامة بكل شيء، إلا أنه أظهر ما في نفسه لله تعالى، وسأله العون على التغلب على المشاكل المحتملة في طريقه. وذلك يكشف أهمية الدعاء الذي هو تعبير عن معرفة الإنسان من جهة بذاته المفتقرة ومن جهة أخرى بقدرة الله المطلقة. ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ[2] .

5 - معرفة الذات وإدراك حدودها ونقاط قوتها وضعفها من أوليات نجاح الإنسان.

6 - الاعتراف للآخر بكفاءته وجدارته بل وأفضليته من الأخلاق الفاضلة التي يعلمنا إياها نبي الله موسى حين يقول ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا. وهو أمر ليس بالسهل على النفس، ويحتاج إلى شجاعة كبيرة.

7 - يقول الشيخ حبيب الكاظمي حفظه الله في تعليقه على هذه الآية: إن النية إذا كانت إلهية، وإذا كان الغرض هو رضا الله عز وجل، فإن كثرة الشركاء لا تضر.. ففي عالم الأموال، إن الإنسان إذا شارك أحداً، فقد قسم رأس ماله. أما في العمل الرسالي فإن كثرة الشركاء لا يضر أحدنا، بل يزيده قوةً. ومن هنا يقال كمثل: لو أن الأنبياء جميعا اجتمعوا في قرية واحدة، لما وقع النزاع بينهم، لأنهم يرون بأن العمل كله في خدمة الدين والشريعة. [3] 

8 - وفي هذا درس للعاملين في المجتمع الواحد والذين يقدمون خدمات دينية أو ثقافية أو اجتماعية أن يتعاونوا فيما بينهم، وأن يتعرفوا على الكفاءات التي عند غيرهم فيستعينوا بها، وأن يكون التكامل وسيلتهم لتحقيق الأهداف المنشودة.

9 - يقول الشيخ جعفر السبحاني حفظه الله: روي أنه كانت في موسى لكنة، غير أنها لم تكن على نحو يعد عيبا وعاهة، بل كان الفرق بينهما هو الفرق بين الفصيح والأفصح[4] .

10 - القدرة البيانية هامة جدا لنجاح أي دعوة. ومن هنا فإننا بأمس الحاجة اليوم لتطوير خطاب إعلامي يرقى لمستوى العالمية حتى نتمكن من إيصال رسالتنا بصورة صحيحة.

11 - القرآن يفسر بعضه بعضا، فقوله تعالى ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ يفسره قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ «12» وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ «13»، فالسياق يدل - كما يقول صاحب الميزان - على أنه كان يخاف أن يكذبوه فيغضب ولا يستطيع بيان حجته للكنة كانت في لسانه، لا أنه سأل إرساله لئلا يكذبوه فإن من يكذبه لا يبالي أن يكذب هارون معه. [5] 

12 - في قوله تعالى ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي قال الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: ليس الغرض بتصديق هرون أن يقول له صدقت، أو يقول للناس صدق موسى، وإنما هو أن يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل، ويجيب عن الشبهات ويجادل به الكفار فهذا هو التصديق المفيد، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَأَخِى هَـرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ وفائدة الفصاحة إنما تظهر فيما ذكرناه لا في مجرد قوله: صدقت. [6] 

13 - عندما اقترح موسى على الله تعالى إرسال أخيه هارون معينا له، سمع الله اقتراحه واستجاب له، ولم يعترض عليه بأنه الأعلم وأنه لا يليق بموسى أن يفعل ذلك في حضرته. وهذا الخلق الإلهي العظيم هو ما ينبغي أن نتحلى به فنصغي لآراء غيرنا حتى إن كانوا أقل منا فهما وإدراكا. علينا أن نستمع لأبنائنا كي نربيهم تربية حسنة.

للأسف إن كثيرا من مشاكل الأمة ناتج عن عدم الاستعداد للإنصات للآخر. فالحاكم لا يريد أن يستمع لأحد غير المتملقين والمتزلفين. أما الناصحون المخلصون فهم في أحسن الأحوال مبعدون وفي أسوئها في غياهب السجون أو فوق أعواد المشانق.

أين هذا من خُلُق الله؟!!

14 - علينا أن نعلم أبناءنا ونعودهم على المكاشفة والمصارحة والتعبير عن مشاعرهم وهواجسهم، ومن ثم مساعدتهم في التغلب على ما يعترض طريقهم من عقبات.

[1]  الفاتحة 5
[2]  الفرقان 77
[3]  موقع شبكة السراج في الطريق إلى الله، تأملات وعبر من حياة النبي موسى « ج3»
[4]  القصص القرآنية، ج 2، ص 55
[5]  تفسير الميزان، ج 16، ص 34
[6]  تفسير مفاتيح الغيب، ج 24، ص 597