آخر تحديث: 27 / 10 / 2020م - 6:55 م

المبدع وال «القطيع».. من أنتم؟

عبد الوهاب العريض * صحيفة الشرق

«الإنسان هو نفسه.. داخل نفسه خلق ذاتي متواصل»، هذا ما قاله الشاعر أدونيس في مقدمة كتاب الماء والأحلام.. ولعل جملته هذه تستحق التوقف مع كل فقرة فيها، من خلال المزج بين اللغة العربية والشعر ومخيلة الأحلام المرتبطة بالماء.

يسير مجتمع اليوم في وسط غابة من الأوهام التي يعتقد من خلالها بأنه يمتلك العالم بين راحة يديه، وما تلك إلا حالة موسومة بالوهم حينما يشعر الإنسان بأنه استطاع الوصول إلى الغاية التي يريدها، ولكن حينما تباغته بسؤال وجودي عن أحلامه وماهية حياته التي يعيش لأجلها تجده لا يعرف، هل الحياة هي مجموعة من الماديات التي يبحث عنها وسط امتلاك «سيارة، منزل، وظيفة» أو حتى هجرة إلى بلاد بعيدة لا يعرف هويتها وكيف يستطيع رؤيتها، وهذا ما نجده في غالبية العائدين من الإجازات الصيفية وهم يتشدقون بعدد الدول التي زاروها وليس بعدد المتاحف التي شاهدوها ولا حتى المعالم التاريخية التي تعرفوا عليها.

كل ذلك بعيد عن فكرة ما نريد الوصول إليه، وهو الحلم الذي يسكن الفرد وكيف يذهب إلى سبل تحقيقه من خلال وعيه بذاته، ونجد أن الإنسان يولد وبداخله صفات مختلفة ومنها سمة الذكاء والحالات الإنسانية التي يمكن أن يتشكل عليها، ولكن البيئة التي يتربى وسطها، تحول دون تشكلها بشكل حقيقي أو حتى موتها بشكل بطيء، ومن استطاع أن يهرب بذاته من وسط مكان باذخ ليجد نفسه في عوالم مختلفة، ربما يجد أن تلك العوالم دخلها «رعاع» ليس لهم علاقة بها، وهذا يتجسد بوضوح في عوالم الفن التشكيلي والأدب بفنونه الثلاثة، حيث تجد الفنانين يأتون من مشارب مختلفة وبيئات مختلفة، ولكن اللون يجمعهم وتفاصيل الفكرة والعمل الفني، وحينما تدخل الباب الثالث في هذا العالم ستجد بأن هناك شخوصا لا تستطيع الانتماء لهم من خلال ممارساتهم، لذا تصرخ بما قاله كولن ولسون ذات يوم «لا أنتمي»، بمعني الانتماء إلى بيئة ووسط معين، سواء كان فنيا أو شعريا، لا يبنى على مدى المشتركات التي تجمع تلك «القبيلة»، في وسط واحد، لذا يمكن لمن هو خارج «القبيلة» أن يكون أكثر إبداعاً من القطيع الموجود في الداخل، وذلك لأن الإنسان القادم من خارج هذه الدائرة جاء لها بحثاً عن ذاته لا بحثاً عن مال أو شهرة، بل أراد أن يكون ذاته، وهنا يكمن الفن الحقيقي، كما وجدته عند «فان جوخ، بيكاسو، سارتر، بيركامو…» جميعهم دخلوا من خارج «القبيلة» بحثاً عن ذواتهم، ولم يكونوا مدرسي «لغة عربية، ولا تربية فنية» ليصبحوا فجأة نقادا في الأدب والتشكيل بالممارسة أو حتى دونها في زمن أصبحت فيه الصفة هي لغة يكتبها «محرر متعاون» في صحيفة فيقبض عليها «فنان أو كاتب» ويصنع له بطاقة تعريفية يذيلها بتلك الصفة.

ما نختم به هذه العجالة بأن الإبداع الحقيقي للإنسان يكمن بداخله وعليه أن ينميه دون أن ينتمي إلى «القطيع/ القبيلة»، كي يصبح مبدعاً بل يأتيها مترفعاً من الخارج ويبقى حسب رؤيته من خارج تلك المجموعة التي لا يعنيه أن يكون «منتمياً لها»، ليصرخ «من أنتم» ويذهب لذاته الكامنة في إبداعاته الخاصة دون عيون تتلصص عليه هنا أو هناك، فيبدع قصيدته وروايته ولوحته دون حاجة لشهادة من أحدهم.