آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

ارفعوا أيديكم عن الشباب

عبد الوهاب العريض * صحيفة الشرق

كثرت في الآونة الأخيرة لنقل السنوات الخمس الماضية، أسطوانات تعتبر «مشروخة»، من «عناكب» الثقافة و«ديناصورات» المهرجانات، أينما تجد أحدهم يعتلي منصة حتى يتحدث عن عزوف الجيل الجديد عن القراءة والكتابة، ويذهب إلى تحليل الظاهرة كأنه في مختبر الجودة والنوعية، ويقيس مقادير شركات «الألبان»، وظاهرة الحليب «المبستر»؟ ودائما ما يتم إحالة هذه الظاهرة إلى «مواقع التواصل الاجتماعي»، كأنه يبدأ في إحالة أوراق تلك المواقع ل «الإعدام» ملبساً إياها الملابس «البرتقالية».

كما يقوم نفس «المنصح»، بتكرار حديثه عن المنتج الغنائي الحديث، وأن ظاهرة الغناء الحديث سببها «الجمهور عايز كده»، ويبرر أن هذا المنتج يزداد هبوطاً بسبب رغبات الشباب الذين أصبحوا مغتربين عن هويتهم، كما يوجه حديثه عنهم قائلا: «إنهم لم يعيشوا تجارب قاسية»، كما السابق، ولم «تتبلح» جلودهم وهم يعملون في الحقول، لذا هم يلبسون اليوم تلك «التقاليع» الواردة من الغرب، وهذا ما يعني أن الغرب الكافر يحيك مؤامرة كونية لتدمير عالمنا الإسلامي. متناسياً أن الهزائم العربية وظهور «السح الدح أنبو»، سبق هذا الهبوط بعشرات السنين.

لنعد ونقيس تلك الظواهر من خلال بعض المبادرات، التي قدمتها شركات سعودية عالمية مثل «أرامكو السعودية» في مسابقة «قارئ العام» التي هدفت إلى إلهام وإثراء مليوني شاب وفتاة، ببلوغ عام 2020م، وقد بدأ هذا البرنامج منذ نوفمبر 2013، واستهدف عددا كبيرا من المدارس، وقد أقيم الحفل الختامي للدورة الرابعة قبل أيام في مدينة الخبر، في حضور عدد كبير من الشباب، وبرنامج حافل من الكتاب العرب والسعوديين المعروفين، لعمل حلقات نقاشية بين الشباب والكتاب.

وقد أكد هذا البرنامج على وجود عدد كبير من الشباب وليس المخضرمين يعشق القراءة، عكس ما يقول «الناصح» إنهم يعزفون عن الكتاب، وإن وجود هذا الجيل على مواقع التواصل الاجتماعي كان للاستفادة، وتبادل الخبرات، والقراءة المشتركة، فنشأت نوادي القراءة في المملكة، وأصبحت المكتبات السعودية زاخرة بكل جديد من الكتب العربية، بعد انتهاء فترة «قمع» الكتاب، والسماح له بالوجود في المكتبات المحلية متاحاً للقارئ الذي يبحث عنه، لا من يتكلم عنه فقط، ولو عدنا إلى مبيعات معرض الرياض الدولي للكتاب نجدها تفوق ال «71 مليون ريال» في معظم دوراته الماضية، وهو الأعلى مبيعاً على مستوى المعارض العربية للكتاب، كما تجد أن صفحات التواصل الاجتماعي للشباب تمتلك حضورا أدبياً طاغياً سواء في «الفيسبوك»، أو «تويتر»، بينما تجد صفحات بعض المثقفين مملوءة بذاكرة تتحسر على «تاريخ مضى»، أقول البعض وليس الكل.

ومن جانب الأغنية والموسيقى، نجد أن الجمعية السعودية للثقافة والفنون، تحاول أن تعمل بصمت «إعلامي»، وتقيم فعاليات موسيقية ودورات مكثفة، كما حدث مع حفل «تكريم عبدالكريم عبدالقادر»، قبل أيام، ولم يكن الحضور الذي زاد عن 500 شخص من جيل المغني الفني، الذي يعود لزمن «قارئة الفنجان»، و«الحب كده»، والأغاني المطولة لعدد من فناني الخليج الحقيقيين، الذين لم تحتكرهم بعض القنوات، بل كان الحضور في نسبته الكبرى يعود إلى الشباب الذين حفظوا مطولات «العبدالقادر» عن ظهر قلب وطربوا معها، وكانوا ينتقلون بين الأغنيات بكل سلاسة، كما نجد أن هناك اهتماما بين هؤلاء الشباب الجدد في طرح موسيقى جديدة، وأسلوب يدمج بين آلات العزف القديمة والحديثة، ليكون مجدداً في طرحه.

بما أننا ذكرنا الشباب في القراءة والموسيقى، يمكننا أن نقف وقفة قصيرة مع عدد من المخرجين، الذين ينتجون أفلاماً يشاركون من خلالها في المهرجانات العالمية وبعض المحلية «إن وجدت»، ويمتلكون رؤية سينمائية عالية، كما نجدهم يتابعون أحدث المخرجين العالميين الذين يطرحون السينما من باب الوعي والثقافة، وليس من باب الاستهلاك في «شباك التذاكر»، كما أصبح الشباب السعودي صاحب فضل على بعض دول الخليج لزيادة افتتاح عدد أكبر من دور العرض السينمائية، ويشاركون في عدد كبير من الندوات والمهرجانات، بدورهم محكمين ومبدعين، بينما يغيب صوتهم في الداخل لأسباب لا مجال لذكرها في المقال.

وفي الجانب التشكيلي والفوتوجرافي نجد أن هناك جيلا جديدا من متذوقي الفنون البصرية، يحصدون الجوائز العالمية قبل المحلية.

يبدو أن لدينا مشكلة كبرى في «التواصل» بين الأجيال، لذا في خلاصة الحديث ما أردت قوله علينا ترك الوصاية والحديث عن الشباب، وإذا لم نستطع تقديم ما يجعله يتقدم ويتطور من خلال وجهة نظره، لا نلقي المعوقات أمامه وندعي بأننا نعرف مستقبله، وبعضنا لا زال لا يعرف في أي طريق هو ذاهب، وأي خارطة طريق تنتظر خروجنا من أوهامنا في جيل «مش عاوز كده».