آخر تحديث: 31 / 10 / 2020م - 3:37 م

الإمام الباقر (ع) وعلم الحديث

للإمام الباقر إسهامات كبيرة في تدوين الحديث النبوي الشريف، ونشره بين الخاصة والعامة، وذلك لما للحديث من أهمية قصوى في بيان معالم الدين وأحكامه، فهو المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم، كما أن المخصص لعمومات القرآن الحكيم، أو مقيد لمطلقاته، ومبين لناسخه من منسوخه. كما أن الحديث الشريف مصدر مهم لبيان أكثر الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والعقود وغيرها.

وقد ساعدت الظروف السياسية التي عاصرها الإمام الباقر في إتاحة الفرصة له لنشر الحديث النبوي على نطاق واسع، حتى لا يكاد يخلو أي كتاب من الكتب الحديثية عند الفريقين من روايات للإمام الباقر ، فقد روي عن الإمام الباقر في الكتب التسعة[1]  244 رواية. أما في المصادر الشيعية فهي زاخرة بمروياته الكثيرة.

وتشير بعض المصادر الشيعية إلى أنه قد كثر الرواة والمصنفون في الحديث من الشيعة في عهده وعهد ولده الصادق فقد روى جابر بن يزيد الجعفي سبعين ألف حديث عن الباقر عن آبائه عن رسول الله ﷺ. ومن تابعي التابعين ومن بعدهم: جابر بن يزيد الجعفي روى عن الباقر سبعين ألف حديث كما مر. وكان يقول عندي خمسون ألف حديث ما حدثت منها بشيء كلها عن النبي ﷺ من طريق أهل البيت. وكان المانع له عن التحدث بها أنها لا تتحملها بعض العقول الضعيفة فيكذب فيها ويسري التكذيب  إلى أغلب الناس[2] .

ويعود قلة ما روي عن الإمام الباقر في المصادر الحديثية السنية إلى الرقابة الشديدة التي كانت تفرضها الدولة الأموية على تراث أئمة أهل البيت، ومحاولة إقصائهم، والتقليل من مكانتهم، والشواهد على ذلك كثيرة، ويلاحظها بوضوح كل من يقرأ الكتب التاريخية.

من روى عنهم الإمام الباقر

يمكن تقسيم روايات الإمام محمد البقر عمن روى عنهم إلى قسمين وهما:

1- روايته عن النبي ﷺ عن طريق آبائه الطاهرين.

2- روايته عن بعض الصحابة أمثال: جابر بن عبدالله الأنصاري، وابن عباس، وأبو ذر، وزيد بن أرقم، وأم سلمة..... وغيرهم.

قال السيد محسن الأمين في أعيانه: « روى - أي الإمام الباقر - عن أبيه عن جده رسول الله ﷺ عن جبرائيل عن الله عز وجل. وفي حلية الأولياء: أسند أبو جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، وروى عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأنس بن مالك وعن الحسن والحسين. وأسند عن سعيد بن المسيب وعبد الله بن أبي رافع. وفي كشف الغمة: قال أبو الفرج بن الجوزي في كتابه صفوة الصفوة: أسند أبو جعفر عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وأنس والحسن والحسين، وروى عن سعيد بن المسيب وغيره من التابعين. أقول روايته عن أكثر هؤلاء لنوع من المصلحة وإلا فهو غني بعلوم آبائه عن أن يروى عن غيرهم »[3] .

وكل ما روي عن الإمام الباقر فهو وارد عن رسول الله ﷺ، فالإمام عندما يروي حديثاً فإنما يرويه عن آبائه الطاهرين عن رسول الله ﷺ، فقد قال الإمام الباقر ، لجابر بن يزيد الجعفي:  «إنا لو كنا مخدتكم برأينا وهوانا لكنا من الهالكين، ولكنا نحدثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله ﷺ كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم»[4] .

وروي عن محمد بن عيسى بسند صحيح: أن رجلاً سأل الإمام الصادق عن مسألة فأجابه، ثم قال له: «ما أجبتك فيه من شيء فهو عن رسول الله ﷺ، لسنا من أرأيت في شيء»[5] .

وأكد على ذلك الإمام الصادق بقوله:  «حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ﷺ وحديث رسول الله قول الله عز وجل»[6] .

ولذلك اتفقت الإمامية على أن ما ورد عن الأئمة المعصومين من أحاديث صحيحة فهي تدخل ضمن (السنة الشريفة) وقد انفرد الإمامية بهذا المنهج الروائي، باعتبار أن ما ورد على لسان أئمة أهل البيت فهي متصل بالسند الشريف إلى رسول الله ﷺ.

رواة الإمام الباقر

روى عن الإمام الباقر جمع كثير من الرواة والمحدثين من الفريقين، فقد انتشرت أحاديثه ورواياته بين الجميع، يقول ابن شهر آشوب في مناقبه:

«روى عنه - أي الإمام الباقر - معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين ورؤساء فقهاء المسلمين، فمن الصحابة نحو: جابر بن عبد الله الأنصاري، ومن التابعين نحو: جابر بن يزيد الجعفي وكيسان السختاني صاحب الصوفية، ومن الفقهاء نحو: ابن المبارك، والزهري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وزياد بن المنذر النهدي.

ومن المصنفين نحو: الطبري، والبلاذي، والسلامي، والخطيب في تواريخهم. وفي: الموطأ، وشرف المصطفى، والإبانة، وحلية الأولياء، وسنن أبي داود، والألكاني، ومسندي أبي حنيفة والمروزي، وترغيب الأصفهاني، وبسيط الواحدي وتفسير النقاش، والزمخشري، ومعرفة أصول الحديث، ورسالة السمعاني فيقولون: قال محمد بن علي، وربما قالوا: قال محمد الباقر»[7] .
  
وقال ابن كثير الدمشقي: «وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم. فمن روى عنه ابنه جعفر الصادق، والحكم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، والأوزاعي، والأعرج، وهو أسن منه، وابن جريج وعطاء وعمرو بن دينار والزهري. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال: حدثني أبي وكان خير محمدي يومئذ على وجه الأرض، وقال العجلي: هو مدني تابعي ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث»[8] . .

وتشير الباحثة (الرزينة ر.لالاني) إلى رواة الإمام الباقر وأعدادهم الكبيرة بالقول:

«يورد ابن حجر لائحة طويلة بالذين رووا أحاديث منقولة عن الباقر. وقد حقق عدد كبير من هؤلاء شهرة عظيمة وشكلوا بدورهم دوائرهم الدراسية الخاصية بهم. وهكذا، راحت أحاديث الباقر تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، ليس من خلال ذريته الخاصة وحسب، بل من خلال هؤلاء العلماء أيضاً. ومن هؤلاء، إلى جانب ولده جعفر الصادق (ت. 148هـ/765م)، علماء من أمثال أبي إسحق الصائبي، وعمرو بن عبد الله (ت. 128هـ/745م)، والعراج (توفي بعد 140هـ/ 758م)، والزهري، ومحمد بن مسلم بن شهاب (ت. 124هـ / 742م) وعمرو بن دينار (توفي حوالي 126هـ / 743م-744م)، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن العمر (ت. 157هـ / 774م)، وابن جُريح، وعبد الملك (ت 150هـ/767م)، والأعمش، وسليمان بن مهران (ت.148هـ،/765م) ومكحول بن راشد (ت.115هـ/733م)، ومعمر بن يحيى بن سامسان.

ويبدو أن لائحة ابن حجر لم تكن كاملة لأن الذهبي (ت. 748هـ/1347م) يضيف أسماء أخرى مثل ربيعة الراعي (ت. 136هـ/754م) فيضيف أسماء عطاء بن أبي رياح (ت. 114هـ/732م)، وجابر الجعفي (ت. 128هـ/ 745م)، وأبان بن تغلب (ت.141هـ/759م)، وليث بن أبي سَليم/سُليم. والحقيقة، أن ابن حجر نفسه يذكر كلمة  « وآخرين» عند انتهائه من لائحة أسمائه، الأمر الذي يشير بوضوح إلى أنه لم يتمكن من جمع كل هؤلاء دفعة واحدة. يضاف إلى ذلك، أنه يسمي عند ذكره العلماء إفرادياً، المزيد من الناس مثل أبي الجارود زياد بن المنذر، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، على أنهم رواة أحاديث عن الباقر» [9] .

وقد اتفق علماء الرجال من الفريقين على توثيق بعضهم مثل: أبان بن تغلب، إبراهيم بن أبي البلاد، إسماعيل بن جابر الجعفي، بكر بن أعين، بريد بن معاوية، جابر بن يزيد الجعفي، عمرو بن ثابت، معروف بن يحيى...وآخرون.

وقد اختص علماء الرجال عند الإمامية على توثيق بعض رواة الإمام الباقر مثل: إبراهيم بن نعيم، إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، زرارة بن أعين، سليمان بن خالد، صالح بن ميثم الكوفي، ليث بن البختري (أبو بصير)، محمد بن علي الحلبي، صالح الأشل، عبد الله بن عجيلان السكوني وغيرهم.

وقد استطاع الإمام محمد الباقر من خلال هؤلاء الرواة أن ينشر أحاديث رسول الله ﷺ على نطاق واسع، وأن يساهم بشكل كبير في حفظ الحديث الشريف وتدوينه، خصوصاً بعد سنوات من المنع الرسمي للدولة الأموية لكتابة الحديث وتدوينه، بل والأمر بمحوه كما ورد ذلك في الكثير من المصادر التاريخية المهمة.

[1]  المقصود بالكتب التسعة هي : 1- صحيح البخاري. 2- صحيح مسلم. 3- سنن الترمذي. 4- سنن النسائي. 5- سنن أبو داود. 6- سنن ابن ماجة. 7- مسند أحمد بن حنبل. 8- موطأ مالك. 9- سنن الدارمي.
[2]  أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ج1، ص 203.
[3]  أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الخامسة 1418هـ - 1998م، ج2، ص501 - 502.
[4]  بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج2، ص172، رقم1.
[5]  جامع أحاديث الشيعة، السيد البروجودي، المطبعة العلمية، قم، طبع عام 1399هـ، ج1، ص13، رقم5.
[6]  أصول الكافي، الشيخ الكليني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، طبع عام 1419هـ - 1998م، ج1، ص 105، رقم ، رقم 14.
[7]  المناقب، ابن شهر آشوب، دار الأضواء، بيروت، طبع عام 1412هـ - 1991م، ج4، ص 241 – 242.
[8]  البداية والنهاية، ابن كثير، المكتبة العصرية، بيروت، طبع عام 1426هـ - 2005م،ج7، ص 28.
[9] الفكر الشيعي المبكر: تعاليم الإمام محمد الباقر دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى 2004م، ص 141.