آخر تحديث: 26 / 11 / 2020م - 11:08 ص

كيف أحافظ على روحيتي ومكتسباتي من الحج؟

السيد أمين السعيدي *

كيف يحافظ الحاج بعد تأدية مناسك الحج على الحالة الروحية والمعنوية والحالة السلوكية المنضبطة؟ كيف نجعل هذا الاثر منغرسا في الحاج لا يعتريه شياطن الانس والجن؟

اعلمْ أيها العزيز أن ما تَسأل عنه إنما يحصل بالإرادة والحزم وقهرِ النفس الأمارة بإخماد صَوْلَتها وتعميرها بالعلم ومراوَدة مجالس المَعرفة والفضل والعبادة وإجلاء الصدأ والأمراض النفسانية التي تعميها بتكاثر مشاغل الحياة والالتصاق القهري بالطابع المادي الذي تتصف به طبيعة هذا المقام الوجودي بعالَم الدنيا الذي هو أدنى وآخر التنزلات.

إنّ الحج نعمةٌ إلهيةٌ جسيمةٌ كثيرة الفيوض؛ فبالحج يوْلَد الإنسان من جديد؛ وِلادة «معنوية»، وهذه الولادة المعنوية وإن لم تكن جابّة وماحية لجميع تبعات الإنسان وتكاليفه؛ حيث إنّ حقوق الناس التي عليه قبل الحج مثلاً لا تخرج عن ذمّته؛ إذ يجب عليه حتماً إرجاع كافة تلك الحقوق؛ كالنميمة والوِشاية والغِيبة والسخرية والسرقة والديون والمستحقات المادية والنفسانية، وكذا الصلوات والصيام والزكوات الفائتة، وما شاكل ذلك من الحقوق العقلية والشرعية التي ألزمنا الشارع الأقدس العادل الحكيم بإرجاعها حتماً لذويها وأصحابها.

إذاً؛ الحج وِلادة جديدة للإنسان، المكلَّف وكذا المميِّز، لكن وفق قواعد وشرائط وحدود؛ ومن ذلك صيانة النفس، والعزم الصادق على تحقيق هذه الصيانة لتكون روحك صافية بيضاء تماماً ك «بياض الإحرام» الذي تجرّدتَ به عن كل الملذات وعن الأهل والمال والأصدقاء وكل الدنيا، وجلْتَ به حول الكعبة وحول الأنبياء في بيت الله الحرام تطلب العفو والسماح والقُرْب والنقاء وأداء الفرض، ورَجمتَ به الشياطين في ثلاث مراتب معلناً تبرّيك وتوبتك ومُصِرّاً معاهِداً، وذَبحتَ على إثره هدي الهوى والأصنام الشهوانية والقلبية والفكرية وجميع الأصنام المعنوية والمادية، ثم زرتَ نبيَّه الأعظم الخاتم صلوات الأولين عليه وآله الطاهرين لتَعزِم النية وتؤكدها وتعاهده على ذلك، والذي هو - أعني الإحرام - بداية هذه الوِلادة العظمى في مسيرة حياتك ككل، وك «بياض الكفن» الذي هو نهاية الوِلادة وبداية الرحيل عن الجميع مِثل كل السابقِين لِما وراء هذا العالم النازل، الرحيل الذي ستعتزل به عن جميع مواد هذا الوجود لا محالة وسيَستغرِق كل تاريخك ومستقبلك.

ثم إنَّ تصفية النفس لا تحصل بالجهل والعماء والتكاسل والتخاذل وتضييع العهود والمواثيق والوعود المعقودة مع الخالق والأنبياء والخَلق..؛ فالصيانة تتحقق بالدِّراية، وعدم نسيان الناموس الوجودي والهدف من وجودنا والغاية.

إنّنا هنا أيها العزيز - في هذا العالَم - لأجل الحصاد لذلك العالَم الحق؛ العالَم الأقدس الأبدي الكامل. فكي ننال الكمال في ذلك العالَم الطاهر الكامل لابد أن نحقق أولاً حقيقة «الإنسان الكامل» في أنفسنا بهذا العالم ونُطَهِّر ذواتنا الشَقائية من كل الشقاوات النفسانية والقذارات المعنوية والأمراض والنجاسات الباطنة، فلا تنسَ أنك لست هنا إلا لسفر، وكل فعل قلبي أو عملي - خيراً كان أم شراً - فحقيقتة الوجودية أنه ليس إلا راحلة تجمعها للرحيل بها إلى ذلك العالَم السرمدي.

فعليك أن تَتعاهد الصراط المستقيم، وأن تَعزم النية الواعية القاصدة الصادقة على أن تكون إنساناً فطناً فَهمَ حقيقة هذا السفر ووَطَّنَ ذاته على الرحيل بأي وقتٍ واستعَدَّ للّقاء الأكبر المهيب المحفوف بالأهوال والمنزلقات والمخاطر، اللقاء الذي أول مراحلِه منازل البرزخ وعَقَباتُه المَهولة، واستعَدَّ للبقاء النوراني أو الشقاء الظلماني أعاذنا الله وإياك.

وليس من شيءٍ مجرَّبٍ للإفاضة المتجددة وصيانة النفس عن الهوى والشيطان وإجلاء الصدأ والرَّيْن عن القلب، والغشاوة عن السمع والبصر والعقل وجميع جَنَبات النفس، ليس من شيءٍ مجرَّبٍ لذلك كملازَمة قراءة الكتب الروحية والدينية الأصيلة النافعة ومراوَدة المساجد ومجالَسة العابدين من أهل الصلاح والصدق والتقوى وخِدْمة المؤمنين والخلائق والتواضع وطاعته سبحانه؛ فإنّ النفس تَنسى والروح تَظمأ فتحتاج للتعلم والتذكر والتزكية باستمرار، وإنَّ في أمر الله تعالى لنا بالصلاة جماعة والمزاوَرة لمجالس الذِّكْر والعلم والفضيلة خير إشارة حكيمة لهذا الأمر المجرَّب الفاعل العظيم، وليس الحج إلا ممارَسة إلتزامية مؤقَّتة عاصمة عن الخطايا لممارَسة إلتزامية دائمية مفارِقة للمعاصي والذنوب وتحصيل الكمال والسعادات.

ماجستير فقه ومعارف إسلامية وفلسفة ، مؤلِّف ومحقِّق وأستاذ حوزوي.
- موقع السيد أمين: www.anbyaa.com