آخر تحديث: 19 / 11 / 2019م - 8:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

خطاب المنبر الحسيني بين الخصوصية والعمومية

علي عيسى الوباري *

تعيش أي أمة باعتقادها بداية حياتها حياة خاصة تبتعد عن الآخرين وعدم الاحتكاك مع ما يهدد كيانها لكن كلما وثقت من نفسها وتعززت اهدافها تنتقل إلى مفهوم العيش المشترك والقواسم العامة حيث تقتضي الظروف الانفتاح على الآخرين ومشاركتهم همومهم واهدافهم.

مع الاعتراف بخصوصية أي مجتمع وعادة هذه الخصوصية تتأكد في الجماعة المنغلقة على نفسها البعيدة عن مصالح المجتمعات الأخرى لكن تنحسر هذه الخصوصية في الحالة الاجتماعية العامة المنفتحة، فكلما توسع المجتمع وامتد افقه وانفتح فكره كلما تنوعت عوامله المرتبطة بالمجتمعات الأخرى ويزداد انفتاحا على الأمم كلما ارتق بغاياته في الحياة واهتم بالعوامل الإنسانية.

كذلك يفرض الواقع المنفتح التواصل مع الكل سواء لمصالح معنوية أو مادية ومع التفاعل الطويل يتحول فكر المجتمع من مجتمع ذو اهداف منحصرة في ذاته ونابعة من مصلحته الخاصة إلى مصالح واهداف مشتركة يعيش بها مع المجتمعات المختلفة معه في المعتقدات والأديان لأن المصالح والمنافع تقود الأمم إلى التسامح والاهتمام بالعناصر المشتركة ويعذروا بعضهم البعض فيما يختلفوا فيه وهذا لا يحصل الا بالخطاب الإنساني العام.

الخطاب الديني والثقافي له التأثير الأقوى في نشر مبدأ التسامح الفكري والإنساني وإزالة عوامل ضيق الافق والخروج من خندق الاعتقاد الشخصي الاحادي الاقصائي والتعصب للرأي، فكلما تفشى استعمال مفردة الخصوصية في الخطاب والتركيز على مفهوم لنا خصوصياتنا زاد انكفاء المجتمع وأصبح متعصبا لرأيه ومنزوي بعيدا عن الاحداث والهموم العامة، ولا نقصد التخلي عن المعتقد الديني في سبيل المصالح الدنيوية لكن يتمسك بالثوابت ويتحرك في نطاق المتغيرات.

خطاب المنبر الحسيني يعتبر أبرز أدوات التثقيف ورفع مستوى الوعي بالمجتمع الموالي ويعود له الفضل في صناعة تعليم ديني عام وثقافة تاريخية كان ارتكازه على حادثة تاريخية تحولية.

ورغم اصرار البعض على الخصوصية في الخطاب مما جعل محتوى الخطاب منحصر في دائرة المذهب بحيث افرز نقاش متكرر على قضايا وعناوين مكررة بل انتجت حساسيات وحوارات جدلية داخل الاتجاه الواحد.

بالسابق تركز الخطاب على ملابسات المصيبة والاحكام الشرعية والخصوصية لكن في السنوات الأخيرة تقدم الخطاب المنبري بدرجات نسبية متفاوتة إلى مواضيع اكثر سعة واعمق فكرا بسبب الاستفسارات الداخلية والتساؤلات الخارجية التي تصل وتفرض عليه بسبب التواصل الاجتماعي والاعلامي.

السؤال الذي يطرح نفسه في عصر السلطة الثقافية الخارجية المتحكمة في ثقافة الامم التي تفرز عدة تساؤلات واستفسارات، هل خطاب المنبر الحسيني يواكب المستجدات من الأفكار ويجيب على الاسئلة المطروحة ويوائم ما بين حدث ديني وتاريخي تضمن معاني سامية مع ما يحدث اليوم من احداث مشابهه وظلم وقهر تعني اصحابها وتشغل فكرهم؟.

رغم تناول الاشكاليات والقضايا في دائرة المذهب مطلوبة لكن لا ينبغي أن تكون على حساب نشر الرسالة الحسينية إلى العالم والتفاعل مع مصائب العالم التي تحدث يوميا لأمم يجمعنا معهم العامل الإنساني وهذه الأمم لن تتفاعل مع المصيبة الحسينية إلا إذا ربطت بوقائع ومفاهيم اتباع الاديان السماوية والوضعية.

نقل مضمون الخطاب إلى مفهوم إنساني يشترك فيه كل معتنق دين أو مذهب ويقبله حسب ما يعانيه ويوافق افكاره سيوصل اهداف واقعة الطف إلى الشعوب المختلفة.

يوجد في حركة الامام الحسين من المعاني ما يواكب مستجدات الحياة بل تعتبر قواعد كلية يُستند عليها في التشخيص والتحليل

وبها معاني إنسانية ينبغي التركيز عليها مثل مفهوم الحرية، عندما اطلق عبارته المشهورة عليه ”كونوا أحرارا في دنياكم“ هذا المبدأ الحياتي الذي يجعل المرء حرا في سلوكه بعيدا عن المغريات وحرا في رأيه بعيد عن المؤثرات، يشخص الأمر فيما يعود للمصلحة العامة.

هذا المعنى قامت عليه فلسفات ومؤلفات عديدة تتحدث عن استقلال الإنسان الذهني والثقافي حتى يبني شخصيته محررة من اغراءات الحياة.

كذلك الحركة الحسينية عبرت عن اهمية الاصلاح في الأمة ”إنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي“ مفهوم الاصلاح هذا ما نحتاجه في زمن التشرذم والتشظي، الاصلاح يعني طريق التفاهم والوحدة وترسيخ مفهوم التسامح.

خطاب المنبر الحسيني كانت له خصوصية لها مبرراتها في وقت معين، لكن الآن بعصر التشابك المعرفي والثقافي وتبادل الافكار والمفاهيم يفترض أن يوائم الخطاب ما بين القضايا الخاصة والعامة ويوجد المشتركات بينهم وتنقل المعاني الحسينية إلى فضاءات أنسانية اوسع.

رئيس جمعية المنصورة الخيرية وعضو جمعية الإدارة السعودية